توقيت القاهرة المحلي 06:01:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المسيحيون العرب... شراكة حضارة ومصير

  مصر اليوم -

المسيحيون العرب شراكة حضارة ومصير

بقلم : إميل أمين

أعاد دوي رصاص الغدر في قرية حمود الكرك بالأردن، الحديث عن المسيحيين العرب، وماهية موقعهم وموضعهم في تركيبة البناء الحضاري العربي والإسلامي، وما إذا كانوا لبنة أولية من لبناته، بشراً وحجراً، أم أنهم دخلاء وفدوا من العدم.

لم يقصر الأخوة والزملاء من كتاب «الشرق الأوسط» الغراء، عبر الأيام الماضية، في الكتابة عن الحادث المروع، واستنكاره، مع تحليل دوافع الكراهية التي تقود إلى التطرف. غير أن ما لفت النظر هو تعليقات ذووي الكراهية التي صاحبت الجريمة النكراء على مواقع مختلفة من وسائط التواصل الاجتماعي، ذلك أنه على الرغم من استنكار وشجب النخبة لما جرى، فإنه وضح جلياً أن هؤلاء المجرمين الذين ينشرون العداوة والبغضاء بين مجتمعاتنا، ماضون في تبني الكره. لا جدال في أن المسيحيين العرب جزء أصيل ومهم في التركيبية المجتمعية لدولنا العربية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننتقص من مواطنتهم، ومن جذورهم التاريخية، الضاربة في التاريخ العربي والإسلامي.عبر أكثر من 120 مرجعاً، نجد ذكراً واضحاً لهذه السبيكة العربية المسيحية، وما قدموه للحضارة العربية والإسلامية، وبخاصة السريان منهم الذين ترجموا علوم اليونان إلى اللغة العربية، ثم شرحوها، وتالياً ألفوا عليها.

نجد العديد من القصص المهمة في «أسد الغابة في معرفة الصحابة»، لعز الدين بن الأثير، وكذلك في «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لمحمد بن إياس، و«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، لأبي المحاسن بن تغري بردي، وفي «تاريخ مختصر الدول» لابن العبري، ويطول العد والسرد.

هو إذن حضور أصيل متجذر في التربة العربية، وليس أدل على حديثنا هذا من الإشارة إلى ثلاثة من فحول الأدب العربي المسيحيين: الأول قس بن ساعدة الإيادي أسقف نجران، وأخطب خطباء العرب قبل الإسلام وأكبر شعرائهم، والثاني عدي بن زيد، وزير النعمان ملك المناذرة الأخير في العراق وزوج ابنته هند، والثالث هو عثمان بن الحويرث بن أسد من قريش.

وفي وقت لاحق، شارك هؤلاء في التأصيل لفكرة الكتابة والخط العربي، والتي كانت من قبل شبه مجهولة الأصول.

في مؤلفه العمدة «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، يوضح المؤرخ العراقي الكبير، البروفسور جواد علي المتخصص في التاريخ العربي والإسلامي، كيف أن المسيحيين العرب قاموا بدور بارز في تطوير الخط العربي، كما أنه لم يستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على كتابات مطمورة بالقلم النبطي في رمال الجزيرة العربية.

أما الراهب الدومنيكي - المصري، البروفسور جورج قنواتي، والذي حقق عبر عشرين عاماً في حياة ابن رشد، فيقطع بأن مسيحيي الحيرة هم أول من استخدموا الخط العربي وأدخلوا على العربية تراكيب وألفاظاً جديدة لم تكن معروفة من قبل، فكان أول من قال في كلامه «أما بعد»، هو قس بن ساعدة، كما أنه أول من أرسى مقولة «البيَّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر»، بجانب أنه أول من كتب «من فلان إلى فلان»، في حين أول من أشاع افتتاحية المراسلات والمكاتبات بعبارة «باسمك اللهم» هو أمية بن أبي الصلت.

ومع إرهاصات النهضة العربية والتفكير المشترك في الخلاص من ربقة الاحتلال العثماني، كان المسيحيون العرب في أوائل الصفوف الداعين للتحرر الفكري والجغرافي، وقد كان اتصال قسم بالغ منهم، لا سيما الشوام العرب بأوروبا بعامة وبفرنسا على نحو خاص، عاملاً مهماً للغاية في بث روح القومية والتحرر.

في هذا السياق، ظهر الأدباء والشعراء في الأوطان العربية وفي المهجر من أمثال جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة.

أما الدعوة إلى القومية العربية بمنظورها التحرري الحضاري لا العنصري، فقد حمل لواءها أديب إسحاق، وسليم سركيس، وشبلي شميل ونجيب عازوري وغيرهم.

حمل المسيحيون العرب المطبعة كأداة تنوير إلى المنطقة العربية، ففي بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أنشأ الآباء الدومنيكان مطبعة الموصل التاريخية.

الحديث هنا بعيد كل البعد عن فكر المحاصصة، بل قراءة تاريخية لحضارة مجيدة تليدة، استوعبت كل مكوناتها من البشر، من دون عزل أو إقصاء، ومن غير فوقية أو تمايز، فكان لها أن ارتقت في مصاف الشعوب في أعلى عليين.

حوادث مثل ما جرى في الكرك، ربما تدفع إلى التنادي لهجرة هذا الفصيل الوطني؛ ما يعني أن السبيكة المجتمعية العربية، يمكن - لا قدر الله - أن تضحى صنواً لعنصريات أخرى في المنطقة لا تغيب عن أنظار المراقبين.

السلام لأوطاننا وشعوبنا في الحل والترحال.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المسيحيون العرب شراكة حضارة ومصير المسيحيون العرب شراكة حضارة ومصير



GMT 05:38 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشيخ الأردني: أنا من ربْع عيسى يا ولدي

GMT 05:35 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

من يستعيد الإسلام من مختطفيه؟

GMT 05:33 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ريال مدريد وبرشلونة.. الموسم بدأ من هنا

GMT 05:31 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

من تيريز هلسا إلى طريقة في استنكار الجرائم الطائفيّة

GMT 05:29 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

التركيز الاستراتيجي لتسجيل الأهداف

GMT 05:27 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو خاسر رابح... وربما العكس!

GMT 05:25 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

طرابلس في مرايا العودة

GMT 10:25 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... فرصة لرد الجميل

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش
  مصر اليوم - الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 23:09 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:59 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أفضل 10 وجهات سياحية دافئة للشتاء

GMT 14:08 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

تجدد حبس قاتلى الطفلة "فاطمة" 15 يومًا على ذمة التحقيقات

GMT 17:03 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل وصول 97 فرنسيا لمطار مرسى علم الدولي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt