توقيت القاهرة المحلي 15:39:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

“بيزنس” ترامب في أوكرانيا وغزّة

  مصر اليوم -

“بيزنس” ترامب في أوكرانيا وغزّة

بقلم : نبيل عمرو

لسوء حظّ الشرق الأوسط، حيث الحرب على غزّة وامتداداتها، ولسوء حظّ أوروبا حيث حرب أوكرانيا واستقطاباتها، أنّ الجالس على سدّة الحكم في البيت الأبيض هو دونالد ترامب، الحائز صفة الزعيم المرتجِل والمتناقض، والذي يتساوى عنده الخصوم والأصدقاء في المعاملة، كما لو أنّهم زبائن تجاريّون، القرب منهم والبعد عنهم يحدّدهما ميزان الربح والخسارة الماليّة ليس إلّا.

في أوكرانيا حيث الحرب الناشبة منذ أكثر من ثلاث سنوات، يتعامل ترامب بمنطقٍ استثماريٍّ بحت. ذكّر الأوكرانيّين بما دفعت الولايات المتّحدة من أموال وقدّمت من معدّات، في حربهم الدفاعية، مشترطاً تسجيل كلّ ما قدّمته أميركا ديناً يستحقّ السداد الفوريّ، وإلّا فسيترك أوكرانيا لأنياب الدبّ الروسيّ ليفعل بها ما يشاء.

بمنطق المقايضات التجاريّة، طلب من أوكرانيا التنازل عن جزءٍ من أراضيها لقاء وقف الحرب، وذلك ليس لإنقاذ الدولة الأوروبيّة ووقف الاحتلالات الروسيّة لأراضيها، بل لترتيب صفقاته الكبرى مع روسيا بثمنٍ أوكرانيّ.

بمنطق الصفقات التجاريّة تعامل مع الجدار الأمنيّ الاستراتيجيّ المتقدّم، أوروبا وحلف الناتو، فارضاً معادلةً قوامها إمّا الدفع وإمّا التخلّي، حتّى بلغ به الأمر حدّ القول أكثر من مرّة: “لا لزوم لكم”.

ذلك بعضٌ ممّا فعل تجاه أوكرانيا من موقعه رئيساً للولايات المتّحدة، وهو ما يسمح له بادّعاء زعامة ما يسمّى بالعالم الحرّ.
بمنطق “البيزنس” الرخيص خصّص لكلّ مغادرٍ من غزّة أربعة آلاف دولار، مع مساعدة سكنٍ لمدّة سنة وبعض مساعداتٍ غذائية قد تصل إلى وجبةٍ أو اثنتين في اليوم الواحد

تدمير غزّة

أمّا بشأن غزّة، فـ”البيزنس” كان وما يزال العنوان الأبرز لتعامله مع الحرب عليها، ذلك أنّ الدمار الشامل على مساحةٍ تزيد قليلاً عن ثلاثمئة كيلومترٍ مربّع وفّر وفق رؤيته أرضيّةً نموذجيّةً لمشروعٍ استثماريّ أعطاه عنواناً مثيراً هو “الريفييرا”، والأمر في هذه الحالة وبمنطق المقاول لا يحتاج إلّا إلى مئات الجرّافات لإلقاء الركام والجثث في البحر للحصول على أرضٍ فراغ تُبنى عليها أبراجٌ على غرار برج ترامب في نيويورك، وقرى إلكترونية تكون مقارَّ ومصانع لأحدث ما وصل إليه الذكاء الاصطناعي، مع كازينوهات قمار وفنادق ومسابح فوق الرمال الناعمة، ولا يهمّ رئيس العالم الحر أن يقذف بمليونَي ونصف مليون فلسطيني إلى أيّ صحراءٍ وأيّ بلد يستقبلهم.

بمنطق “البيزنس” الرخيص خصّص لكلّ مغادرٍ من غزّة أربعة آلاف دولار، مع مساعدة سكنٍ لمدّة سنة وبعض مساعداتٍ غذائية قد تصل إلى وجبةٍ أو اثنتين في اليوم الواحد. بهذا المنطق يتعامل رئيس الولايات المتّحدة مع أكبر وأفدح وأخطر حربين وقعتا في القرن الحادي والعشرين، تقوّضان أمن واستقرار شعوب منطقتين حيويّتين من مناطق العالم، أوروبا والشرق الأوسط.

في سياق “بيزنس” ترامب تساوت عنده الهند، الدولة الكبرى على مستوى العالم، مع بنما، ولا مانع لديه من عمل كلّ شيءٍ لاسترضاء موسكو، لعلّه يخلق شرخاً بينها وبين بكين، ويفتح أبواباً لـ”بيزنس” بشروط أفضل مع كلتيهما.

في كلّ زمان ومكان تدار أمورٌ سياسيّةٌ صغيرةٌ وكبيرة، بحساباتٍ فيها صورة “بيزنس”. غير أنّها لم تكن يوماً كلّ شيءٍ، خصوصاً بالنسبة لدولةٍ عظمى ذات نفوذٍ طاغٍ على مستوى العالم. غير أنّ ترامب فعل ما لم يجرؤ غيره على فعله، ليس بمنطق دعم مصلحة الدولة العظمى ونفوذها وتحالفاتها، وإنّما بمنطق “البيزنس” التجاريّ البحت. لم يفعل ذلك فقط تجاه العلاقات الأميركيّة مع الآخرين، وخصوصاً الحلفاء التقليديّين منهم، بل فعله داخل أميركا ذاتها.

أخطر ما فعل أنّه حوّل الدولة العظمى ذات المؤسّسات الراسخة والتقاليد الصارمة في عملها داخليّاً وخارجيّاً، إلى دولة مطواعةٍ في يده يشكّل داخلها وفق رؤيته الخاصّة ورؤية مَن استأجرهم للعمل معه، ويشكّل علاقتها أيضاً وفق مزاجه الخاصّ، وغالباً وفق نزواتٍ لا تليق برئاسة دولةٍ صغيرةٍ من الدول الهامشيّة في العالم.

عودةً إلى غزّة وأوكرانيا، بعد حكاية الريفييرا وتساقط الأبراج الغزّيّة واحداً تلو الآخر، ورعاية ترامب لاستكمال تدميرها وإعادة احتلالها كلّها، ومع امتلاء سماء أوكرانيا بالمسيّرات الروسيّة الإيرانية، وقصف كييف، ومع الاستعراض العسكري الاستثنائي هذا العام في الصين، لن نتوقّف عند القول: من سوء حظّ الشرق الأوسط، ومن سوء حظّ أوروبا، بل من سوء حظ البشرية كلّها وجود دونالد ترامب في سدّة الحكم والقرار في أميركا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

“بيزنس” ترامب في أوكرانيا وغزّة “بيزنس” ترامب في أوكرانيا وغزّة



GMT 12:00 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مواعيد الحصاد

GMT 11:51 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الجامعة العربية و«الناتو»... عاشا أم ماتا؟

GMT 10:15 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

ما تغير الإيرانيون... فلماذا نتغير؟

GMT 09:57 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

«صعود التوحد»... والطبّ «يتفرج»

GMT 09:30 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الخليج والأمن القومي العربي

GMT 09:12 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حربٌ ضلت طريقها

GMT 08:51 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

نواف سلام واعتداله... بين يمينَين

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 15:19 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حسين فهمي بطل للفيلم الصينى The Story I Found In china
  مصر اليوم - حسين فهمي بطل للفيلم الصينى The Story I Found In china

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 09:01 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في برجك يمدك بكل الطاقة وتسحر قلوبمن حولك

GMT 11:04 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "

GMT 13:32 2016 الجمعة ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أرجو الإطمئنان بأن الآتي أفضل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt