توقيت القاهرة المحلي 07:01:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف

  مصر اليوم -

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف

بقلم : نبيل عمرو

في زمن حرب الإبادة على غزّة التي وصلت إلى منتصف عامها الثالث، وبموازاتها حرب التصفية السياسيّة في الضفّة، لم تخفَ على الفلسطينيّين والعرب أيّ تفصيلةٍ مهما صغرت. نظراً لحاجة وسائل الإعلام التقليديّة من صحافة وفضائيّات ومنابر أخرى إلى ملء ساعاتها، فاضت الجرعات الإعلاميّة على نحوٍ مبالغٍ فيه، وعرف الجمهور الذي يقضي جلّ وقته في متابعة وسائل التواصل الاجتماعيّ والجلوس أمام الشاشات، وجوهاً قديمةً وجديدة تحمل صفاتٍ أقلّها “خبيرٌ في الشؤون الاستراتيجيّة“، ووفّرت وسائل الإعلام التقليديّة والإلكترونيّة لكلّ فلسطينيٍّ وعربيّ فرصةً لأن يقول رأيه في الأحداث والتطوّرات المتعلّقة بقضاياه.

 

لم يكن الدفق الإعلاميّ المبالغ فيه ذا مردودٍ إيجابيّ، فلم يوحّد الرأي العامّ على فهمٍ شعبيٍّ مشتركٍ لما يجري، بل أدّى إلى حالةٍ من انقسامٍ سياسيٍّ وفكريّ انعكست على الفعّاليّات الشعبيّة التي كانت في أدنى مستوياتها على المستويين الفلسطينيّ والعربيّ. بدا جليّاً وغير مسبوق أنّ المدن الأوروبيّة وحتّى الأميركيّة أكثر تفاعلاً ونشاطاً وتظاهراً من المدن الفلسطينيّة والعربيّة.

تبدّل الأولويّات

وصلت الحالة الشعبيّة في غزّة إلى تغييرٍ جذريٍّ في الأولويّات، بحكم الحاجة إلى ما هو مفتقدٌ عند أهلها، من دون الإسهاب في التفاصيل والأمثلة. الأولويّة هي لدفن الجثامين التي يخلّفها القصف وإيجاد أضرحةٍ لها.
وصلت الحالة الشعبيّة في غزّة إلى تغييرٍ جذريٍّ في الأولويّات، بحكم الحاجة إلى ما هو مفتقدٌ عند أهلها، من دون الإسهاب في التفاصيل

في حالاتٍ كثيرةٍ تبقى الجثامين تحت الأنقاض، ويتقدّم على هذه الأولويّة ويأتي بعدها، لا فرق، البحث عن علاجٍ ولو إسعافيّاً بسيطاً للجرحى والمرضى الذين يتكدّسون في أفنية المستشفيات المدمّرة، وخلف جدرانها الآيلة للسقوط، ثمّ السعي وراء شربة ماءٍ نظيفٍ قليل الملح والطين، ولقمة طعامٍ لمن يجد دوراً في الازدحام الكثيف أمام قدور العدس والبرغل، وما أمكن الحصول عليه ممّا يقيم أود الجياع. وإذا ما توافر ذلك ويكون من حسن الحظّ فغالباً ما يتوافر بحدوده الدنيا. يتلقّى المواطنون الكرام، كما تصفهم الفضائيّات، وأحياناً ميكروفونات الاحتلال، أوامر بمغادرة بيوتهم أو ما بقي منها إلى ما يقدَّم لهم على أنّه أماكن آمنة، ويتعيّن على المهاجر من ركام داره إلى تلك الأماكن المحدّدة أن يمشي على قدميه عشرات الأميال، ويُقتل من يُقتل على الطريق وينجو من ينجو.

 

في كلّ مكانٍ على وجه الأرض ينتظر الناس المنخفضات الجويّة المحمّلة بالمطر والثلج لإنقاذ الموسم الزراعيّ إلّا في غزّة حيث مفردة منخفض تثير الرعب في النفوس، إذ تعني تمزّق الخيام القماشيّة المتهتّكة أصلاً ونوم الناس تحت المطر، ويكون حظوظاً من يجد قماشاً جافّاً يغطّي به أطفاله.

في كلّ مكانٍ آخر خارج غزّة، حين يتأخّر المنخفض المحمّل بالمطر يخرج المواطنون الكرام إلى صلاة الاستسقاء، ويعمّ الفرح حتّى لو استجاب الله ببعض رذاذٍ يبشّر بمطرٍ قادم. أمّا في غزّة فلم يبقَ إلّا أن يخرج الناس لصلواتٍ يرجون بها الله أن يبعد المنخفضات عنهم ويحجب المطر، ويحمدون الله على أنّ غزّة في كلّ الظروف لا ينزل فيها الثلج.

الكهرباء التي تحيل ليل المدن إلى نهار هي في غزّة ترفٌ لا يحقّ للمواطنين الكرام أن يستمتعوا به ولو لساعةٍ واحدة. كثيراً ما كانت تُشاهَد طوابير من الناس بطول مئة متر تتزاحم أمام سقيفةٍ امتلك صاحبها مولّداً للكهرباء كي يتمكّن الزبائن الكرام من شحن موبايلاتهم بما يكفي لإرسال أو استقبال مكالمةٍ واحدة.
الكهرباء التي تحيل ليل المدن إلى نهار هي في غزّة ترفٌ لا يحقّ للمواطنين الكرام أن يستمتعوا به ولو لساعةٍ واحدة

معاناة شاملة وعميقة

المعاناة الشاملة والعميقة، التي لم تجد حتّى الآن حلّاً لها ولو جزئيّاً، فليس من يطمع بحلٍّ جذريّ، لم تبقِ أيّ مساحةٍ للسياسة. اكتفى الغزّيّون بمعايشة الألم وتحمّله واضعين لأنفسهم معادلةً سياسيّةً في غاية البساطة ومن جملةٍ واحدةٍ لا تحتاج إلى تحليلات الفضائيّات وخبراء الاستراتيجيات: “أولويّتنا أن نعيش وأن نبقى في غزّة”.

قد يقول قائل إنّ بقاء الناس هناك ليس صموداً طوعيّاً بل لعدم انفتاح الأبواب أمام مغادرتهم. فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو البرّ والجوّ والبحر ورصدا مكافآتٍ ماليّةٍ لمن يغادر. استجاب عشراتٌ أو حتّى مئات، غير أنّ المشروع انتهى، ومن أنهاه أساساً أهل غزّة.

عشراتٌ وربّما مئات آلاف ممّن أتيحت لهم فرصة المغادرة إلى مصر أو كانوا في مصر قبل الحرب شاهدوا التغطيات الإعلاميّة الدقيقة لدمار بيوتهم والازدحام الكثيف على مراكز توزيع الطعام ورأوا تسوية مستشفياتهم بالأرض، وصلوات الجنازة فوق الركام، وأجساد الأطفال المغطّاة بأكفانهم البيض انتظاراً للدفن. من رأوا هذه التغطيات المتقنة فنّيّاً ينتظرون بفارغ الصبر أوان فتح معبر رفح كي يعودوا، ولهذا يمانع نتنياهو فتحه لأنّه يعرف أنّ سماحه بذلك يعني موافقته على حقيقة أنّه هُزم أخيراً من قبل أهل غزّة.

في غزّة هذه هي السياسة وأولويّاتها ومجالات اهتمام الناس بها. أمّا خارج غزّة فما يجري فيها هو مادّة حوارٍ دسمٍ على الشاشات حيث يخاطب المتحدّثون الخبراءُ المواطنين الكرام بلغة هذا مقبولٌ وذاك مرفوض، هذا صحيحٌ وذاك خطأ، هذا وطنيٌّ وذاك عميل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف



GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

GMT 03:51 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هاني شنودة وزمن سعاد

GMT 03:50 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عودة للشواطئ القديمة!

GMT 03:48 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تفاوض بأدوات الحرب

GMT 03:46 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

واقعية الرئيس الإيراني

GMT 03:45 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

بُشرى نهائي المونديال

GMT 03:43 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (11)

GMT 03:42 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حالة مصرية خاصة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt