بقلم: مصطفي الفقي
درجت المجتمعات المختلفة بطبقاتها المتعددة أن يبرز من بين أبنائها من نسميهم قادة الرأى، أى المؤثرين بحكم شخصياتهم وسابق أعمالهم فى المجتمع الذى يعيشون فيه ويؤثرون ويتأثرون بكل ما يحدث له، وقد يكون قائد الرأى زعيمًا سياسيًا يملك كاريزما معينة أو ضابط وطنى باسل يحرك المجتمع نحو غاياته الحقيقية ويعبر به الصعاب وفقًا لثقتهم فيه وإرادتهم معه وإيمانًا بصدقه ونزاهته، وقد يكون قائد الرأى بطلًا أسطوريًا تلتف حوله الجماهير وتمضى وراءه الجموع الهادرة.
وبرغم أن ذلك النمط قد بدأ يتراجع فى المجتمعات المختلفة والتجمعات المتعددة بمنطق الديمقراطية الحديثة والاعتراف بمبدأ صوت واحد للفرد الواحد مع التسليم بأهمية ذلك على مختلف الأصعدة، وقد جاء على البشرية حين من الدهر اكتشفنا فيه زعامات تبنى اسمها على العنف غير المبرر والحروب المسلحة بدون دافع أو حافز إلا أن يسجل التاريخ لهم أنهم كانوا أساطين للدمار وأدوات للعنف وأنهم تبادلوا الأدوار مع قوى متشددة على الجانب الآخر فأصبح المشهد هزليًا والأمر عبثيًا وأظن أن شخصية الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب وتصرفاته خصوصًا فى رئاسته الثانية توحى بأن الرجل يسلك طريقًا صعبًا يهدد البشرية ويضرب السلام العالمى فى مقتل وينذر بحروب لا تتوقف.
فضلًا عن ضعف المصداقية وانعدام الثقة والشعور بأن ما يحدث إنما هو فصل هزلى يصعب تحليله أو تبريره، لقد جاء الرئيس الأمريكى الحالى ترامب بأجندة تتحدث عن سلام القوة فإذا هى حروب الضعف والانتقام وسلسلة من المشاهد الدامية التى فاقت التصور وفتحت الأبواب على مصراعيها لمزيد من العنف الذى يلوث بقاعًا مختلفة فى عالمنا المعاصر فاستهدف إيران ببطشه وجبروته ولعلنا نعترف أن إيران بغياب الحكمة وضعف الإرادة والتصلب الفكرى والتشدد العنيف كل ذلك أعطى تلك الدولة ذات التاريخ الطويل مبررات للتهالك والمضى فى طرقه لا تحقق شيئًا ولا تنتهى بالدماء والأشلاء والدموع والآلام فأى قادة هؤلاء الذين يفعلون ذلك؟! وأية حكمة تلك التى أوصلت ذلك النمط البشرى إلى مقاعد السلطة وبؤر النفوذ ومصادر القرار الذى يتحكم فى أمم وشعوب وجماعات وأفراد بلا وعى ودون إحساس بالمسئولية وشعور حقيقى بأن الحكم محنة وأن السلطة مفسدة وأن شعور الفرد يمضى بصاحبه أحيانًا على طريق نيرون وجانكيس خان بل وهتلر وأتباعه من النازيين الذين مارسوا أدوارًا مشبوهة فى التاريخ المعاصر؟! هل يتصور أحد أن يسعى رئيس أكبر دولة فى الكون اقتصاديًا وعسكريًا إلى هذا الحجم من التدمير والتخريب وقلب الحقائق وتشويه المواقف حتى اختلط الحابل بالنابل وأصبحنا لا نعرف من المخطئ ومن البرىء؟! ولم ندرك أيضًا الدوافع الخفية لمخططات توسعية إسرائيلية وإيرانية اندفعت بلا وعى إلى توجيه ضربات قاتلة لدول عربية مسالمة فى الخليج لا تستحق ما جرى لها ولا تتوقع العبث بمقدراتها، إنها أيام حالكة السواد شديدة الإظلام لا نكاد نشعر بنهايتها أو ندرك طبيعة المشهد الأخير منها، لقد اختفت الدوافع الإنسانية وسقطت الشرعية الدولية وأصبحنا نعيش فى ظل شريعة الغاب التى يفترس فيها القوى الضعيف بصورة تضع البشرية فوق هذا الكوكب على حافة توقعات بلا حدود وجرائم بلا توقع، والرئيس الأمريكى كل يوم هو فى شأن ولا مصداقية لما يقول ولا إنسانية فيما يفعل.
إننا لا نتباكى على اللبن المسكوب ولكننا نحذر بأن الولايات المتحدة الأمريكية فى حربها مع إيران وإسرائيل تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء والعدوان على دول الخليج التى هى فى الأصل شعوبًا وقبائل تسعى للسلام وتطلب الاستقرار واحترام الشرعية الدولية التى غابت والرؤية الوطنية التى تاهت ولا يكاد المرء يدرى إلى إين نحن ذاهبون؟! دعنا نتفاءل وسط الظلام وندعو للسلام فى ظل هذه الظروف الصعبة والأيام الثقيلة على العقل والقلب معًا.