توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تفكيك أزمة فيلم «الملكة كليوباترا!»

  مصر اليوم -

تفكيك أزمة فيلم «الملكة كليوباترا»

بقلم - عبد الله السناوي

مرة بعد أخرى يطرح سؤال الهوية نفسه على الرأى العام فى مصر بصيغ عديدة وأزمان مختلفة.
فى مساجلات فيلم «الملكة كليوباترا»، التى تنتوى شبكة «نتفليكس» بثه بعد أيام، اصطنع تناقضا بين مصر بإرثها الحضارى والقارة الإفريقية بوحدة المصير التى تجمعنا بها.
ادعى ذلك الفيلم، الذى قيل إنه «وثائقى»، أن الملكة المصرية القديمة «كليوباترا» بشرتها سوداء وأصولها تعود إلى غرب إفريقيا.
كان ذلك تزييفا متعمدا للحقيقة التاريخية بدواع أيديولوجية تروج لها حركة «الأفروسنتريزم»، «المركزية الإفريقية»، وهى حركة أمريكية تقول إنها تحاول تصحيح التاريخ من التشوهات الاستعمارية فيما هى مستغرقة فى تشويه الحقائق!
هذه الحركة هى الوجه الآخر لـ«المركزية الأوروبية» التى جعلت من القارة العجوز مركزا وحيدا للحضارة الإنسانية وبقية العالم مجموعة هوامش.
الحركتان عنصريتان.. الأولى، بنفى أى إسهام حضارى للقارات الأخرى.. والثانية، بالتزوير الفاضح وإلغاء التاريخ باسم تصحيحه.
هذه هى الحقيقة التى تقتضى التنبه لأفخاخها.
لعلنا نذكر أن أفضل ما ينسب لحركات التحرير الوطنى، التى عمت إفريقيا مطلع ستينيات القرن الماضى، أنها تجاوزت أى تقسيمات سياسية حاولت أن تعزل العالم العربى عن عمقه الإفريقى.
بصياغة الأستاذ «محمد فائق»، الذى ربطته صداقات عميقة فى تلك السنوات مع قادة التحرير الوطنى الكبار: «عندما كشفت مصر عن وجهها الإفريقى الصحيح لأول مرة فى تاريخها الحديث بعيدا عن فكرة الإمبراطورية التى ظلت تملأ عقول زعمائنا الوطنيين حقبا طويلة من الزمن، وأعلن عبدالناصر انتماء مصر للحركة الإفريقية وتحملها عبء حركة التحرر الإفريقية، وأصبح هذا الانتماء جزءا لا يتجزأ من الشخصية المصرية، كان قد أضاف بذلك حضارة مصر العربية لتصبح رصيدا لإفريقيا كلها بجانب حضارتها الزنجية، وهو شىء كانت إفريقيا فى مسيس الحاجة إليه».
بنظرة منفتحة وتحررية لم تكن هناك مشكلة فى مصر من أن تستقى القارة من إرثنا الحضارى «وهى مازالت فى مرحلة تتحسس فيها جذورها ما تدفع به حركتها أمام العالم وفى مواجهة قوى الاستعمار الشرسة».
تلك نظرة مناقضة لما تتبناه «الأفروسنتريزم» من أطروحات وصل بعضها بالتعصب العنصرى إلى حدود غير متخيلة تلغى التاريخ وتدلس عليه.
بحكم الحقائق الثابتة فإن «كليوباترا» من أصول مقدونية يونانية، بشرتها بيضاء وملامحها هيلنستية وهى آخر ملوك أسرة «بطليموس» التى حكمت مصر بعد «الإسكندر الأكبر».
الأخطر نفى أحقية المصريين الحاليين فى الانتساب إلى إرثهم الحضارى القديم، فهم أحفاد العرب الغزاة!
الكلام عن النقاء العرقى عنصرية ونفى صلة المصريين المعاصرين بأجدادهم القدماء خرافة.
تتماهى تلك الادعاءات، التى تنسب الإرث الحضارى المصرى لغير أهله، مع ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلى «مناحم بيجين»، وهو فى حضرة أهرامات الجيزة إثر «كامب ديفيد»، من أن أجداده اليهود هم من بنوها!
لم يكن الإرث الحضارى المصرى وحده المستهدف.
اليونانيون والمقدونيون نالهما قسطا كبيرا من التزييف والإنكار، وبدا الاعتداء صريحا وكاملا على إرث «الإسكندر الأكبر».
لماذا البدء بـ«كليوباترا» قبل غيرها فى سلسلة أفلام قيل إنها وثائقية عن ملكات إفريقيا؟
ربما لدورها فى تقرير مصير «الإمبراطورية الرومانية» عند لحظة صدام فى بنية حكمها ورمزيتها الطاغية فى الذاكرة الإنسانية حيث ترتبط سيرتها السياسية والعاطفية بأهم وأشهر رمزين سياسيين لـ«الحضارة الرومانية» «يوليوس قيصر» و«مارك أنطونيو».
فى قصتها التراجيدية تداخلت ثلاث حضارات إنسانية كبرى، الحضارة المصرية القديمة بسلطة الحكم والحضارة الإغريقية بالانتساب الأسرى والحضارة الرومانية حيث أثرت.
كان ذلك ملهما للإبداع الأدبى والفنى أكثر من أية شخصية تاريخية أخرى.
خلدها الشاعر البريطانى الأكبر «وليم شكسبير» فى مسرحية «يوليوس قيصر« وأمير الشعراء العرب «أحمد شوقي« فى مسرحية «مصرع كليوباترا«.
حسب ما هو ثابت من صور وآثار لم تكن جميلة، غير أن خيال الشعراء والرواه أضفى عليها من روحهم ما ليس فيها:
«كليوباترا.. أى حلم من لياليك الحسان».. «هذه فاتنة الدنيا وحسناء الزمان».
هكذا أنشد الشاعر المصرى الكبير «على محمود طه» وغنى موسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب».
كانت ردة الفعل على شبكات التواصل الاجتماعى فى مصر بذات قدر خطورة تزييف التاريخ والاعتداء على إرثنا الحضارى والخيال الإنسانى الحديث.
هذه شهادة لقوة الرأى العام استدعت إصدار بيانات رسمية تندد بالتدليس المنهجى على التاريخ.
أمام ردة الفعل اضطرت «نتفليكس» أن تتراجع إلى الخلف قليلا، فمصداقيتها على المحك.
أعادت توصيف الفيلم المثير للجدل من «وثائقى» إلى «درامى» لتجنب ضبطها بجريمة لا يمكن إنكارها.
فى ثنايا مساجلات أزمة فيلم «الملكة كليوباترا» تكشفت أوضاع مقلقة وخطرة فى مسألة الهوية.
أفلتت عبارات انطوى بعضها على شبهة تعال لا مبرر لها ولا منطق فيها، فمصر دولة إفريقية، ونحن أفارقة، وبعضها الآخر نزعت إلى نفى عروبة مصر نفسها.
كان ذلك تعبيرا عن أزمة حقيقية تستوجب التوقف عندها بالنقاش والتأمل حتى لا تداهمنا بأخطارها وتضرب البلد فى صميم مستقبله، فمصر أكبر دولة عربية ولا مستقبل لها خارج عالمها العربى.
«من نحن بالضبط؟.. عرب.. فراعنة.. متوسطيون.. أم بزرميط؟!»
هكذا طرح السيناريست الراحل «أسامة أنور عكاشة» سؤال الهوية وهواجسه فى ختام مسلسله «أرابيسك».
بتوقيت مقارب كتب الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودى» قصيدة عنوانها صادم: «الاستعمار العربى» إثر اقتحام القوات العراقية الكويت مطلع تسعينيات القرن الماضى.
المثير ــ هنا ــ أن كليهما تبنى أفكارا عروبية خلال سنوات «جمال عبدالناصر» وفى مواجهة سياسات «أنور السادات».
إنه غضب طارئ فى سياق مرتبك وصادم.
لم يكن الأمر على هذا النحو فى سياقات أخرى.
فى سبعينيات القرن الماضى بعد رحيل «عبدالناصر» نشأ فى مصر حوار صاخب حول هويتها، قاده أدباء كبار ومفكرون بارزون مثل «توفيق الحكيم» و«حسين فوزى».
كان ذلك تأسيسا بخاتم السلطة وتحريضها للتحلل من الإرث الناصرى وفك الارتباط بالقضية الفلسطينية تحت شعار «تحييد مصر».
بقوة رد الفعل تصدت قوى وتيارات عديدة للدفاع عن عروبة مصر، تصدرها الناقد الأدبى واسع التأثير «رجاء النقاش».
فى المساجلات جميعها، قبل ثورة يوليو وبعدها، أكدت الحقائق نفسها.
مصر هويتها عربية ولا سبيل إلى إنكارها، تعتز بإرثها الحضارى القديم ولا تقبل الاعتداء عليه بالسطو أو الادعاء.
ثم أنها جزء من إفريقيا وقضاياها، وأى كلام آخر فيه تفريط بأبسط مقتضيات الأمن القومى، تطل على أوروبا عبر المتوسط وتتفاعل معها، لكنها ليست أوروبية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تفكيك أزمة فيلم «الملكة كليوباترا» تفكيك أزمة فيلم «الملكة كليوباترا»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt