توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحدي الهزيمة في ذلك اليوم الاستثنائي

  مصر اليوم -

تحدي الهزيمة في ذلك اليوم الاستثنائي

بقلم - عبد الله السناوي

بأى قياس فهو يوم استثنائى لا مثيل له فى التاريخ.
بقدر استثنائيته جرى الطعن لأسباب سياسية فى حقائقه الماثلة، التى رأيناها رأى العين وحفظت الكاميرات مشاهدها.
كان ذلك صراعا على الذاكرة العامة حتى لا ينسب رفض الهزيمة إلى بطله الأول، الشعب المصرى.
لم تكن التظاهرات المليونية العفوية التى خرجت فى أنحاء البلد ترفض يوم (9) يونيو (1967) تنحى «جمال عبدالناصر» إثر الهزيمة الفادحة شهادة مجردة لعمق تأثير تجربته بقدر ما كانت شهادة مصدقة لإرادة المقاومة والحياة أثبت المصريون جدارتهم بها مرة بعد أخرى عند المنعرجات الحرجة.
فى لحظة السقوط انعقدت الإرادة العامة على تحدى الهزيمة، أن يرفع البلد رأسه من جديد.
المفاجأة أخذت «عبدالناصر» نفسه، الذى كان يتصور أن تُنصب له المشانق فى ميدان التحرير.. لا أن تخرج الملايين تعرض المقاومة وتطالبه بالبقاء.
لا تضاهى تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو سوى جنازته بعد ثلاث سنوات.
«غادرت الجريدة إلى الشارع وكان الظلام ينتشر بسرعة والناس تجرى فى كل اتجاه وهم يصيحون ويهتفون. ثم أخذوا يشكلون اتجاها واحدا إلى مصر الجديدة. وهم يرددون فى جنون اسم ناصر. وظهرت بعض الأنوار فى المحلات والمنازل ثم دوت أصوات مدافع فوق رءوسنا فساد الظلام من جديد».
تلك الصورة التقطها «صنع الله إبراهيم» فى روايته (١٩٦٧) من أحداث ومشاعر عاين عمقها بنفسه ـ انفجار بالبكاء وتشنج وانهيار وخروج بعفوية للشوارع.
كان الروائى الشاب فى ذلك الوقت مطاردا سياسيا.
خرج من المعتقل عام (١٩٦٤) بعد أن قضى خلف جدرانه خمس سنوات كاملة.
لم يكن هناك ما يدعوه إلى أن يُضفى على «تمثيلية» مصطنعة طابع الحقيقة المصدقة.
فى شهادة روائية من موقع آخر لعضو فى منظمة الشباب الاشتراكى عن المشاعر العامة التى اجتاحت مصر ليلة التنحى كتب الروائى «إبراهيم عبدالمجيد» «فى الصيف السابع والستين»: «الجميع يجرون صارخين بالهتاف. صاخبين بالدموع.. رجالا.. نساء.. شبابا.. فتيات.. صبية صغارا.. وعرف الشعب القيامة».
«دوت صفارات الإنذار.. من يسمع صفارات الإنذار الآن!! ما معنى الإنذار الآن؟ أن أحدا ممن امتلأ بهم الوادى الحزين لا يشعر إلا بأنه صار عاريا فجأة.. يلتفت حوله فلا يجد شيئا بعد أن صفع على رأسه صفعة شديدة شلت قدرة الروح وأحبطت دم القلب فاستقر فى القاع متخثرا».
شعور مفاجئ بأن كل حلم تبدد، وكل أمل انكسر، وأن الرجل الذى مضوا خلفه يعملون ويقاتلون انقضى عهده، وأن الظلام حل على البلد.
أهمية تلك الشهادة الروائية أن لصاحبها رؤية نقدية حادة لثورة يوليو.
فى يومى (٩) و(١٠) يونيو خيمت صدمة الهزيمة بظلالها الكئيبة على مصر.
كانت الإذاعات تمهد إلى أن هناك نصرا عسكريا يقترب فإذا بالهزيمة تقع.
بدت الصدمة هائلة بقدر الأحلام التى حلقت والثقة التى توافرت.
وبلغت ذروتها فى الأرض الفلسطينية المحتلة ــ كما كتب شاعرها الأكبر «محمود درويش»:
«ابتدأ كل شىء،
وانتهى كل شىء.
وبين البداية والنهاية، خانك الفرح الذى كنت تحذره دائما. كل شىء يتحول من حجارة إلى أفكار، تخرج فلسطين منك بلا وداع. كنت فى المخبأ معلقا على حبل الفارق بين يومين لا يتشابهان. ليسكت الوطن قليلا. لقد وقعت الخصومة بينك وبين الحياة ذاتها».
غير أن هناك ــ بالمقابل ــ من شكك فى أحداث ذلك اليوم كـ«تمثيلية» دبرها «عبدالناصر» للبقاء فى السلطة والإفلات من مسئولية الهزيمة، أو نسبها لتدبير من الاتحاد الاشتراكى.
بعض الذين طرحوا شكوكهم استندوا إلى وقائع حقيقية لدعوات من مسئولين فى الاتحاد الاشتراكى للخروج، أو التحريض عليه، غير أن الفعل التاريخى نفسه كان عفويا ومباشرا لم ينتظر توجيها من أحد، ولا كان فى طاقة أى تنظيم أن يدفع الملايين إلى الشوارع فى لحظة واحدة.
قيل إن الناس لم تكن مطلعة على حجم الهزيمة، وأنها لم تجد غير «عبدالناصر» أمامها غير أنه عندما تبدت الهزيمة أمام الناس وأمام العرب فى كامل حجمها المروع خرجت العاصمة السودانية الخرطوم بكامل أهلها، حتى خلت المنازل من سكانها، لاستقبال القائد المهزوم الذى وصل إليها دون سابق إعلان.
كان ذلك حدثا تاريخيا مشهودا لا مثيل له.
السؤال الأولى بالإجابة عنه: لماذا خرجت الملايين تطالب ببقاء القائد المهزوم؟
إنه قوة المشروع وما حققه من تحولات جوهرية فى بنية المجتمع وما خاضه من معارك أضفت على مصر هيبة القيادة وما أطلقه من أحلام كبرى لم يكن يسيرا التنكر لها.
ثم إنها الوطنية المصرية التى أدركت فى لحظة السقوط أنها مقصودة بذاتها.
بصورة أو أخرى تصدرت الوطنية المصرية مشهد (٩) و(١٠) يونيو قبل أى اعتبار آخر.
أثبتت الأحداث فيما بعد أن الرهان على «عبدالناصر» كان فى محله.
أعاد بناء القوات المسلحة من تحت الصفر، وامتلكت مصر أقوى جيش لها فى التاريخ الحديث، تجاوز حجمه المليون جندى ـ أغلبه من خريجى الجامعات المصرية.
جيش حديث يأخذ بالعلم وفنونه وقواعد الضبط الصارمة تحكمه، والفضل فى ذلك يعود ـ أساسا ـ لقائده العام بعد الهزيمة الفريق أول «محمد فوزى»: تدريبات قاسية، وبروفات جادة فى ميادين القتال أثناء حرب الاستنزاف قبل أن نذهب إلى حرب أكتوبر.
أعطت مصر أقصى ما لديها من إرادة القتال.
هكذا كان ذلك اليوم الاستثنائى التأسيس الحقيقى لإرادة تحرير الأراضى المحتلة، أو الأرضية الشعبية الصلبة التى انطلقت منها حربا الاستنزاف وأكتوبر.
بقوة الإرادة العامة تحدد المجرى الرئيسى لحركة التاريخ، إزالة آثار العدوان وتصحيح الأسباب التى أدت إلى الهزيمة العسكرية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحدي الهزيمة في ذلك اليوم الاستثنائي تحدي الهزيمة في ذلك اليوم الاستثنائي



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt