توقيت القاهرة المحلي 09:55:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فرنسا المأزومة قرب منحدر!

  مصر اليوم -

فرنسا المأزومة قرب منحدر

بقلم - عبد الله السناوي

لا تلخص الاحتجاجات العنيفة، التى اجتاحت باريس ومدن عديدة أخرى، الأزمة الفرنسية بكامل تجلياتها.
انتفاضات الضواحى وجه للأزمة، وليست الأزمة كلها.
قد يغرى الهدوء الظاهر بعد أيام عاصفة بالغضب الجامح فى الشوارع تخريبا وتدميرا وصداما مروعا بين المتظاهرين الغاضبين على مقتل شاب من أصل جزائرى فى السابعة عشرة من عمره برصاص ضابط شرطة أن الأزمة انقضت.
إنها النار تحت الرماد، جذوتها كامنة ومرشحة للاشتعال مرة أخرى.
الاحتجاجات بكل عنفها تعبير عن غضب مكتوم متوارث تمددت أسبابه إلى أحدث أجيال المهاجرين، خاصة من دول المغرب العربى، الجيل الثالث أو الرابع، كلهم تحت العشرين من أعمارهم.
وفق أرقام الشرطة الفرنسية فإن (70%) من آلاف الموقوفين تحت سن الـ(17) عاما.
إرث الماضى الاستعمارى ماثل بقوة تحت الجلد السياسى والاجتماعى وممتد إلى الحاضر والمستقبل.
نفى الإرث الاستعمارى تجهيل ببعض حقائق الأزمة الخانقة، حيث الشعور بالغبن والتمييز وعدم المساواة متأصل ويحتاج إلى مقاربات جديدة تعترف وتعتذر عن آثام الماضى وتعمل على تصحيح العلاقات بين مواطنى الدولة وفق قواعد وقيم الجمهورية الفرنسية، والكف عن لغة التعالى والإنكار.. كأن يقال: «فليعودوا إلى بلادهم»!
هذه بلادهم الآن.. نحن نتحدث عن ستة ملايين مواطن، نسبة معتبرة من السكان، لم يعودوا رقما طارئا على الحياة الفرنسية، هم الآن فى صلبها ويستحيل أى حديث جدى عن المستقبل دون أن يكونوا طرفا فيه.
انتقال إرث الغضب والتهميش من جيل لآخر تعبير عن فشل سياسات الإدماج فى المجتمع الفرنسى، وأنه فى حاجة إلى مقاربات جديدة.
انتفاضة الضواحى، التى ضربت فرنسا عام (2005) فى ولاية الرئيس «جاك شيراك»، تكررت مرة ثانية فى (2023) بسيناريو مشابه تحت حكم «إيمانويل ماكرون».
فى انتفاضة (2005) شلت العاصمة تماما فى (27) أكتوبر، دمرت مبان وسيارات عامة وخاصة، أعلنت حالة الطوارئ فى (8) نوفمبر، واعتقل آلاف المواطنين.
اهتزت صورة الرئيس وبرزت على السطح صراعات شبه معلنة بينه وبين وزير داخليته الطموح لخلافته «نيكولا ساركوزى».
حسب رواية الصحفى الفرنسى الأشهر «إريك رولو»، كما استمعت إليه ذات مساء على نيل القاهرة قبيل الانتخابات الرئاسية التى صعدت بـ«ساركوزى» إلى مقعد الرئاسة، بعد عامين بالضبط من انتفاضة الضواحى، أنه لم يكن يتورع عن الكلام باستخفاف عن رئيس الجمهورية أمام الصحفيين الفرنسيين.
فيما كان «شيراك» يلقى خطابا متلفزا بمناسبة عيد الثورة الفرنسية، طلب وزير داخليته إغلاق التلفزيون، قائلا لمرافقيه من الصحفيين: «لماذا لا يكف عن هذا الكلام الفارغ؟»!
بعد مغادرته قصر الإليزيه انتقم «شيراك» لنفسه فى مذكراته معرضا وساخرا من وزير داخليته وخليفته.
المثير أن كليهما اتهم فى ذمته المالية وجرت محاكمته.
كشفت انتفاضة الضواحى الأولى عمق الشروخ فى البنية الاجتماعية وعمق شروخ أخرى فى بنية الحكم تحولت بمضى الوقت إلى فوالق سرعان ما انهارت بإفلاس معلن للنخبة السياسية الفرنسية بجناحيها الجمهورى والاشتراكى، اليمينى واليسارى معا فى التوقيت نفسه.
قفز المصرفى الشاب «إيمانويل ماكرون» إلى الرئاسة من فوق ركام ذلك الإفلاس، على أمل ترميمها وإعادة صياغتها من جديد، لكن تجربته أكدت الإفلاس ولم تنفِه ونالت من أوزان بلاده وأدوارها فى أفريقيا وداخل التحالف الغربى.
بالأفكار والتوجهات فهو أقرب إلى يمين الوسط، أو الحزب الجمهورى بإرثه الديجولى.
وبالتجربة العملية، فقد اختاره الرئيس الاشتراكى الأخير «فرنسوا أولاند» لتولى حقيبة الاقتصاد.
عندما استشعر تقوض فرص «أولاند» فى تجديد ولايته لم يتورع عن أن يرشح نفسه ويدفعه إلى الانسحاب من السباق الرئاسى.
شعر «أولاند» بالخذلان دون أن يكون بوسعه أن يصنع شيئا، كان كل شىء قد انتهى.
بدا صعود «ماكرون» تعييرا عن ضجر فرنسى من النخبة السياسية التقليدية، التى أفلست تماما وضربها الفساد.
كانت تلك أزمة جوهرية ضربت مؤسسات الدولة ونالت من الموقع الرئاسى.
لم يكن ممكنا أن يجدد «ماكرون» ولايته لدورة ثانية، مع التراجع الفادح فى شعبيته، لولا أن الطرف الآخر فى جولة الإعادة اليمينية المتطرفة «مارين لوبان».
بدا التصويت العام أقرب لاستفتاء على رفض «لوبان» بتوجهاتها الشعبوية ضد الاتحاد الأوروبى والمهاجرين والأقليات، لا تجديد ثقة فى سياسات الرئيس.
بأية قراءة موضوعية يصعب التعويل على السياسات المتبعة لتدارك أسباب ودواعى انتفاضة الضواحى الجديدة.
جرى توظيف العنف المفرط، الذى ارتكبه المحتجون، إلى إنكار أسباب الاحتجاجات، التى فجرت الأحداث، دون اعتراف بالممارسات الأمنية العنصرية التى ترتكب بحق المواطنين من أصول عربية وإفريقية، أو إبداء أدنى استعداد للتصحيح والتصويب.
فى توظيف آخر للعنف، الذى شاب الاحتجاجات المدان بطبيعة الحال، تحولت القضية من أزمة تهميش إلى أزمة شغب تقتضى الضرب بيد من حديد لإعادة الاستقرار والهدوء مرة أخرى.
نسب لمسئولين حكوميين أن ما جرى أزمة مجتمعية لا أزمة ضواحى!
الكلام يبدو متماسكا لكنه فى حقيقته تهرب من مواجهة الأزمة فى وجهها المباشر، أزمة تهميش وإقصاء وتفلت عنصرى فى بلد اكتسب هيبته التاريخية من إرثه فى المساواة وإعلاء حقوق المواطنة ودولة القانون.
بمثل هذه المعالجات يصعب ألا تعود، بحادث أو آخر، انتفاضات الضواحى لتهز فرنسا من جديد.
بالنسبة لـ«ماكرون« فقد كان شاغله الأول مع اندلاع الاحتجاجات ألا يضطر أن يفرض حالة الطوارئ كما فعل «شيراك» فى (2005)، أو أن تفلت الحوادث عن أية سيطرة فى أوضاع اقتصادية صعبة تعانيها البلاد.
بصياغة أخرى، نحن أمام ترحيل لأزمة الضواحى، دون اعتراف حقيقى بأسبابها ودواعيها.
الأزمة الفرنسية سياسية بالمقام الأول وتتولد منها بقية الأزمات والاضطرابات.
الخشية هنا أن تجد فرنسا نفسها مدفوعة باليأس والإحباط إلى انتخاب مرشح يمينى متطرف فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.
بخياراته المعادية للأجانب وسكان الضواحى والمسلمين والاتحاد الأوروبى نفسه سوف يضع فرنسا على فوهة انفجار.
بمثل هذا السيناريو، قد تخسر فرنسا روحها ومبادئ جمهوريتها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا المأزومة قرب منحدر فرنسا المأزومة قرب منحدر



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt