توقيت القاهرة المحلي 11:19:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أيام الاستنزاف.. شهادة خالد عبدالناصر

  مصر اليوم -

أيام الاستنزاف شهادة خالد عبدالناصر

بقلم - عبد الله السناوي

«لم يقل لنا شيئا قبل أن يغادر المنزل لتسجيل خطاب التنحى فى كوبرى القبة يوم 9 يونيو 1967.

عاد للبيت قبل إذاعة الخطاب، ودخل غرفة النوم وقطع الاتصالات به.
لم يستجب لأية نداءات وضغوط، معتقدا أنه المسئول الأول عما حدث، ولا بد أن يرحل.
فى صباح اليوم التالى ١٠ يونيو جلس بملابس غرفة النوم، بيجامة كستور مقلمة، على مائدة الإفطار.
لم تكن عادته طوال السنوات الماضية أن يتناول وجبة الإفطار معنا.
ربما تصور أنه قد لا تتاح له فرصة مرة أخرى للجلوس مع عائلته.
لم نتحدث فى شىء.
كلمات قليلة ثم يعود الصمت.
الصوت الوحيد المسموع هدير مئات الآلاف، التى حاصرت البيت منذ إعلان قرار التنحى.
لم يتحرك من مكانه، ولا حاول مرة واحدة أن يُلقى نظرة على الجموع المحتشدة، كان يشعر بأنه خذلهم، وكان شعوره عميقا بالمسئولية.
وقفت فى شرفة حجرتى أتابع المشهد المهيب فى الشوارع المحيطة.
قلت: بابا الناس عاوزاك.
قال بلهجة أدرك معناها، ويدرك معناها كل من تعامل معه عندما يحزم أمره على شىء: مالكش دعوة».
«قطعت أمى صمت المائدة بعبارة ما زالت تدوى فى وجدانى.
تحدثت باسم أولادها ــ باسم العشرة الطويلة ــ باسم الحب الكبير للرجل والإنسان الذى لم يعد رئيسا، ولا يدرى أحد أى مصير ينتظره هذا المساء: إحنا معاك على الحلوة والمرة.
لم يعلق ولم يجرؤ أحد من أشقائى على التعليق».
«عندما خرجت الجماهير بالملايين فى شوارع القاهرة تطالبه بالبقاء وتعرض المقاومة سأل هيكل مستغربا وحائرا: ليه؟
كان يتصور أن الناس سوف تخرج لتنصب له المشانق فى ميدان التحرير، فإذا بها تهتف باسمه فى شوارع القاهرة، والمشاعر كانت على النحو نفسه فى كل مدينة وقرية مصرية وكل بيت عربى.
تدافعت الأحداث بسرعة، ولم يعد أمام الرئيس خيار، فأمر الشعب لا يرد ــ كما قال فى خطاب العودة الذى ألقاه أنور السادات فى مجلس الشعب».
«ذات يوم من عام ١٩٧٠ كنا على مائدة غداء.
لسبب ما قلت: مضت ثلاث سنوات.
كنت أتحدث فى موضوع شخصى.
التفت تجاهى، قال كأنه يحادث نفسه: ثلاث سنوات.
كانت هذه السنوات قد مضت على النكسة.
لم ينس أبدا جرحه النازف».
«تعودت أن أنظر فى عينيه صباح كل يوم.
لو وجدتها حمراء أعرف على الفور أن الليلة الماضية شهدت عملية عبور فى حرب الاستنزاف.
لم يكن ينم حتى يطمئن على عودة مقاتلينا سالمين».
«كنا نشاهد مع شقيقى الأصغر عبدالحكيم فيلم كارتون.
مر علينا وجلس معنا.
بدا على ملامحه القلق كأنه ينتظر خبرا خطيرا.
فجأة دخل أحد أفراد قوة الحراسة.
مال عليه هامسا.
قام متوجها لمكتبه.
بعد قليل عاد إلينا والبشر يملأ وجهه للمرة الأولى منذ النكسة: دمرنا إيلات».
«قال لى ذات مرة أثناء سنوات الاستنزاف: تصور إن الذين يجتازون الكشف الطبى فى الكليات العسكرية ٤٪ فقط. ده من مواريث الاستعمار والطبقية والفقر الطويل. اهتممنا بالتعليم والصحة وتوفير الاحتياجات الأساسية. ما زلنا فى حاجة إلى جهود أوسع».
«بقميص أزرق وبنطلون شارك فى إحدى المناورات العسكرية.
سأل جنديا فى خندق: أنت قاعد هنا ليه؟. قال الجندى: ما أعرفش يا أفندم. قالوا لى اقعد هنا!.
ثار ووبخ بشدة قائد المناورة: إنتوا بتعملوا علىّ تمثيليات. العسكرى كان هنا ليه؟
أصدر أوامره بإنزال عقاب على قائد المناورة، اعتقادا أن التدريب الصعب يجعل المعركة سهلة، وأن الهزل لم يعد مسموحا به فى إعادة بناء القوات المسلحة».
«أثناء بناء حائط الصواريخ مات عدد كبير من عمال التراحيل كان دورهم حمل الخرسانة لمواقعها تحت قصف الطائرات التى تغير على مواقع العمل.
كان يؤلمه سقوط مصريين، عمال التراحيل بالذات».
«فى (٩) مارس (١٩٦٩) استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة على جبهة القتال الأمامية.
كانت صدمة عبدالناصر باستشهاد رياض صاعقة.
كانت ثقته فى كفاءته العسكرية بلا حدود.
بإرادة المقاتلين ودماء الشهداء تغيرت مصر ونفضت ثياب الهزيمة. وهو المعنى الذى التقطته مئات الألوف التى خرجت تودع رياض فى جنازة مهيبة اخترقت ميدان التحرير.
أصر الرئيس أن يتقدم صفوف الجنازة، وتحدى إجراءات الأمن، أزاح رجال الحراسة، وذاب وسط الجماهير.
الأمن أصابه الهلع يومها.
اقترب أحد ضباط الحراسة منه بصعوبة شديدة: «يا فندم كفاية كده».
نهره عبدالناصر، ومضى فى الجنازة حتى نهايتها، متأثرا بهتاف الشعب: رياض مامتش. والحرب لسه مانتهتش».
«قبل الرحيل بأسابيع قليلة خطر لأمى أن تسأله: «خالد حيتخرج السنة الجاية، وأنا عارفة إنك حتبعته للجبهة الأمامية».
قال أبى: أيوه يا تحية.
كان تقديره أن الواجب الوطنى يقتضيه أن يدفع بابنه لخطوط القتال الأمامية، وفى أول نقطة مواجهة مع إسرائيل. فماذا يقول الناس إذا دفع بأولادهم لخطوط القتال الأمامية، وأعفى ابنه من ضريبة الدم.
أمى كانت تدرك ــ عن يقين ــ أنه سوف يدفع بى لخطوط القتال الأمامية. قالت لى فيما بعد: أنا عارفاه».
كانت تلك بعض أجواء أيام النكسة وحرب الاستنزاف فى بيت منشية البكرى كما رواها لى صديقى الراحل الدكتور «خالد عبدالناصر» ونشرت لأول مرة على صفحات جريدتى «العربى» و«الخليج» منذ نحو عشرين عاما.
أهمية الشهادة فى قدر ما تكشفه من جدية فائقة سادت مصر تصحيحا لأوضاع القوات المسلحة حتى يكون النصر ملك شعب عرض المقاومة فى لحظة الهزيمة.
كانت حرب الثلاث سنوات، التى يطلق عليها «حرب الاستنزاف»، البروفة الحقيقية والكاملة لما جرى فى أكتوبر (1973).
تجاهل الاستنزاف تجهيل بأكتوبر.
هذه حقيقة عسكرية وتاريخية لا يصح بأى معيار وطنى وتحت أى ظرف إنكارها أو التشكيك فيها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيام الاستنزاف شهادة خالد عبدالناصر أيام الاستنزاف شهادة خالد عبدالناصر



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt