توقيت القاهرة المحلي 09:55:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غيوم فوق قرطاج

  مصر اليوم -

غيوم فوق قرطاج

بقلم - عبد الله السناوي

تتفاقم الأزمة التونسية إلى حدود منذرة بتغييرات دراماتيكية فى المشهد السياسى.
لا الأوضاع الحالية قابلة للاستمرار ولا الأوضاع السابقة مرشحة للعودة.
الأزمة بمشاهدها وتداعياتها قد تأخذ البلد إلى المجهول.
الدستور الذى أقر بقوة الثورة تعطلت شرعيته بالإلغاء والدستور المقترح مطعون عليه قبل الذهاب إلى الاستفتاء فى (25 يوليو) المقبل.
فى الأوضاع القلقة الحالية تتكثف الغيوم فوق قصر قرطاج حيث مقر الحكم ويصعب التكهن بما قد يحدث غدا.
السيناريوهات كلها مفتوحة على المجهول وكمائن الخطر ماثلة فى المكان.
لم يكن الرئيس «قيس سعيد» وجها سياسيا معروفا قبل انتخابه، كان صعوده لموقعه تعبيرا عن الضجر العام من النخبة السياسية الحاكمة وشبهات الفساد التى تلاحقها.
بدت سمعته كـ«رجل نظيف» تلتف حوله مجموعات شابة تنتمى إلى الثورة التونسية كافية لقطاعات واسعة من الرأى العام للرهان عليه دون نظر فى أفكاره وتصوراته لطبيعة نظام الحكم، وقد كانت أقرب إلى «النظام الجماهيرى»، الذى أسسه العقيد «معمر القذافى» فى ليبيا!

حاولت حركة «النهضة» دون جدوى احتواء الرئيس الجديد، قبل أن تعمل على تهميشه فى صناعة القرار الداخلى وتجاوز صلاحياته الدستورية فى الإشراف على السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية.
جرت صدامات سياسية متكررة بين الرئيس المنتخب بالاقتراع المباشر ورئيس الوزراء «هشام المشيشى» المعين من المجلس النيابى، الذى يترأسه ويهيمن عليه «راشد الغنوشى» زعيم حركة «النهضة»!
كان الصدام محتما.
اكتسبت إجراءات (25) يوليو (2021) الاستثنائية قبولا شعبيا واسعا أضفى عليها مشروعيتها أكثر من نسبتها إلى المادة (80) من الدستور التونسى، التى تخول الرئيس فى الظروف الاضطرارية إقالة الحكومة وتجميد البرلمان بما لا يزيد عن عام دون أن يكون من حقه حل السلطة التشريعية والهيمنة على السلطة القضائية.
جرى تأويل المادة الدستورية لمقتضى الصراع على السلطة ولمن تكون الغلبة فى صناعة القرار.
كان لافتا الدعم الكامل، الذى حازه «قيس سعيد» من المؤسسة العسكرية والأمنية على خلفية كراهيتها التاريخية لحركة «النهضة» ذات التوجه القريب من جماعة «الإخوان المسلمين».
السؤال الآن: كيف تتصرف تلك المؤسسة إذا دخلت البلاد فى اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها؟!

أرجو أن نلتفت للدور الذى لعبته التظاهرات الغاضبة على الأوضاع الاجتماعية المتردية وما تبدى من قصور حكومى فادح فى مواجهة جائحة «كوفيد 19» فى توفير حاضنة شعبية لإطاحة حركة «النهضة».
قبل عام تبدت فرصة مستجدة لتأسيس توافق وطنى جديد مع القوى الحية، التى لم تنخرط مع «النهضة» فيما هو منسوب إليها من خطايا فادحة فى ممارسة السلطة.
لم يحدث شىء من ذلك وأخذت الأخطاء تتراكم حتى استهلك النظام جانبا كبيرا من مشروعيته الشعبية.
أسوأ ما جرى بعد (25) يوليو أن ما هو استثنائى أصبح اعتياديا، مددت الفترة الاستثنائية من شهر حسب النص الدستورى إلى شهرين إلى سنة كاملة دون إجراء أى حوار وطنى واسع وجدى ودون أية خارطة طريق تصنع توافقا حقيقيا حول الخطوات التى يتوجب اتباعها، كما وعد «سعيد» بنفسه.

توتر المجال العام بأكثر مما كان متوقعا بإجراءات خشنة نالت من الحريات الإعلامية، كما من استقلال القضاء.
لا يمارى أحد تقريبا أن فسادا نال من الهيئة القضائية، صدقيتها وعدالتها، حال دون المضى قدما فى البت بقضايا اغتيالات تتهم «النهضة» بالتورط فيها وقضايا أخرى تنطوى على شبهات فساد.
التطهير ضرورى، هذا مما لا شك فيه، الاعتراض الأساسى أن يجرى ذلك بمرسوم من رأس السلطة التنفيذية، دون ملف تأديبى أو جزائى، أو أن يكون إعفاء عشرات القضاة عشوائيا بلا قواعد وأصول متبعة.
دخل أكثر من (90%) من قضاة تونس فى إضراب عام تمدد حتى الآن لأسبوع ثالث، وهو وضع لا يحتمله بلد منهك اجتماعيا ومأزوم سياسيا.
لم تكن تونس فى حاجة إلى توتير إضافى للاحتجاجات السياسية التى تنمو بالتدريج على خلفية الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء على دستور جديد اقترحته «الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل الجمهورية الجديدة»!!
الأخطر من ذلك كله أن شبح الانفجار الاجتماعى غير مستبعد على خلفية تردى الأوضاع الاجتماعية واتساع دائرة الفقر ومخاوف الاستجابة للإصلاحات القاسية التى يطالب بها صندوق النقد الدولى.
كان لافتا أن الاضراب العام، الذى دعا إليه الاتحاد العام للشغل، نجح بصورة لا يمكن إنكارها، أو تجاهل رسائلها.
تقليديا يعتبر اتحاد الشغل رمانة الميزان فى حسم صراعات السلطة.

دعم الإجراءات الاستثنائية قبل أن يغير بوصلته بأثر السياسات المتبعة إلى المعارضة الصريحة.
هذا إنذار لا يمكن تجاهل رسائله إلى المستقبل المنظور.
فى كل تلك التفاعلات الصاخبة مالت «النهضة» إلى شىء من الانزواء، باستثناء مداخلات مصورة لـ«الغنوشى» وبيانات متباعدة باسمها.
تشارك بقوة فى المشهد الاحتجاجى دون أن تعلن عن حضورها خشية خسارة معركتها مقدما.
إنه إقرار صريح بقدر تراجع شعبيتها وأوزانها وكراهية أدوارها فى السلطة.

إذا ما عادت «النهضة» يوما إلى ما كان عليه من قوة وشعبية فإن الفضل ينسب فى هذه الحالة إلى الأخطاء الفادحة التى يرتكبها الرئيس التونسى.
هناك ميل سياسى عام لمقاطعة الاستفتاء على الدستور المقترح ونزع أية شرعية عنه.
لا أحد اطلع حتى الآن على مسودته، كلها تسريبات وبعض ما هو مسرب مزعج بالفعل مثل إلغاء الحق فى الإضراب على ما حذر اتحاد الشغل.
هناك مخاوف حقيقية من أى انقضاض محتمل على الحريات العامة، الإنجاز الرئيسى شبه الوحيد للثورة التونسية، والعودة بصورة أو أخرى إلى ما قبلها.
حسب تصريح رئيس الهيئة المكلفة بوضع الدستور فإن نظام الحكم لن يكون رئاسيا ولا برلمانيا، وأنه سوف يكون تونسيا محضا!
هذا الكلام لا يؤسس لأوضاع مستقرة ولا لنظام حكم يطلب الثقة العامة.

الدستور موضوع توافق واسع، وهو ما يغيب بفداحة فى الحالة التونسية المستجدة.
من هنا إلى (25) يوليو سوف تشهد تونس فورانا سياسيا واجتماعيا دون أن يكون أحد مطمئنا على مستقبلها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غيوم فوق قرطاج غيوم فوق قرطاج



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt