توقيت القاهرة المحلي 19:06:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المبارزة الاستراتيجية هنا وحولنا!

  مصر اليوم -

المبارزة الاستراتيجية هنا وحولنا

بقلم - عبد الله السناوي

بقدر الأخطار الماثلة جراء الحرب الأوكرانية على المستقبل المصرى، شأن الدول الأخرى فى العالم والإقليم الذى نعيش فيه، تتبدى فى الأفق السياسى فرص جدية لحلحلة بعض الأزمات المستعصية، وأخطرها أزمة سد النهضة الإثيوبى.
كانت زيارة وزير الخارجية الروسى «سيرجى لافروف» إلى القاهرة بتوقيتها ورسائلها إشارة جديدة إلى الأهمية القصوى الإضافية التى قد يكتسبها الشرق الأوسط فى الصراع على مستقبل النظام الدولى.
نحن أمام مبارزة استراتيجية بين القطبين الدوليين المتنازعين الروسى والأمريكى على إثبات القوة والنفوذ فى أكثر مناطق العالم اشتعالا بالنيران والأزمات، أو أيهما أكثر حضورا وتأثيرا وتموضعا فى أزمات الإقليم وقدرة على حلحلتها.
بعد قمتى جدة وطهران بالحضور المباشر للرئيس الأمريكى «جو بايدن» فى الأولى والحضور المباشر للرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» فى الثانية بدأ ما يشبه الهرولة إلى الشرق الأوسط.
فى القمة الأولى لم يحقق «بايدن» مكاسب استراتيجية تخوله الادعاء بأن أمريكا عادت إلى سابق نفوذها، وأن كلمتها مطاعة فى أنحاء الإقليم المضطرب، لا أنهت أزمة الطاقة التى تأخذ بخناق الاقتصادات الأوروبية ولا دمجت إسرائيل فى المنطقة اقتصاديا وأمنيا وعسكريا بذريعة حمايتها من «الخطر الإيرانى»!
ربما تكون حققت بقوة الضغوط بعض التقدم فيما سعت إليه غير أنه أقل بكثير مما توقعت.
بصورة أو أخرى بدت إسرائيل عبئا استراتيجيا على جولة «بايدن»، حملته فوق طاقته وطاقة النظم العربية كلها فى طلب إنشاء ما أطلق عليه «الناتو الشرق أوسطى».
فى القمة الثانية، حاول «بوتين» أن يلملم تصدعات «تحالف الضرورة»، الذى يجمعه مع إيران وتركيا بالأزمة السورية، أراد أن يقول بقوة الصور: «أنا هنا.. حاضر ومؤثر».
لم تكن هناك نتائج كبيرة لقمة طهران باستثناء «فرملة مؤقتة» للعملية العسكرية التركية فى الشمال السورى ضد التمركزات الكردية، التى تقول أنقرة إنها تمثل تهديدا لأمنها القومى.
لأسباب مختلفة تحفظت أمريكا على العملية نفسها وبدت قريبة من الناحية العملية مما تبناه خصماها الروسى والإيرانى لا مع حليفها التركى.
كانت تلك مفارقة استدعتها المصالح المتضاربة فى حلف «الناتو».
بعد أيام معدودة من قمة طهران فتحت نافذة أمل فى اسطنبول لإنهاء أزمة الحبوب المتفاقمة فى أرجاء مختلفة من العالم، خاصة فى الشرق الأوسط وإفريقيا، على خلفية وقف تصديرها من الموانئ الأوكرانية، بأثر النيران المشتعلة فيها وحولها.
بمقتضى اتفاق وقعته روسيا وأوكرانيا برعاية تركية وأممية تقرر فتح ممر آمن فى البحر الأسود لتصدير الحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة من روسيا وأوكرانيا إلى مختلف دول العالم.
كان ذلك اختراقا كبيرا لأزمة مستعصية، غير أنه الآن موضع تساؤلات حرجة عن قدرته على الصمود وسط النيران واحتمالات التصعيد.
بالحساب التركى، فإن ذلك الاختراق إضافة كبيرة لصورتها وأوزانها فى اللعبة الدولية، أو أن تكون وسيطا مقبولا من الطرفين عندما يحين وقت إنهاء الحرب بتسوية سياسية غير مستبعدة.
باليقين فإن تركيا سوف تستخدم ورقة نجاحها فى الوساطة بأزمة الحبوب لرفع منسوب أدوارها وأوزانها داخل حلف «الناتو»، وأنه لا يمكن تجاهل اعتبارات أمنها القومى.
وبالحساب الروسى، فإنه ينزع عن صورتها مسئولية أزمة الغذاء العالمى، ويضعها فى موقف أفضل أمام الرأى العام فى العالم الثالث الأكثر تضررا.
كما أنه يساعد على تحسين آخر لصورتها قبل التئام القمة الروسية الإفريقية المرتقبة خريف العام المقبل.
بالتوقيت نفسه جمدت موسكو الوكالة اليهودية على خلفية موقف تل أبيب من الحرب الأوكرانية، كان ذلك تحللا رمزيا من العبء الإسرائيلى عند الاقتراب من قضايا وأزمات الإقليم وداعيا للتساؤل عن مصير التفاهمات الأمنية، التى سمحت بضرب المواقع السورية بالطائرات دون رد!
هكذا جاء «لافروف» إلى القاهرة قبل أية محطة أخرى فى جولته مدركا أهميتها الجغرافية ورمزيتها التاريخية فى الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، لكى تكون رسالته واضحة وواصلة لأصحابها.
كان مستلفتا فى الكلمة، التى ألقاها فى مقر الجامعة العربية رسائلها المضمرة والمعلنة: «أننا لسنا معزولين».. و«منفتحون على الحوار».. و«مستعدون لأية تسوية سياسية ممكنة للصراع فى أوكرانيا».
كانت حلحلة أزمة الحبوب مدخلا لقضايا أخرى عديدة تدخل فى الاهتمام العربى كالقضية الفلسطينية والأوضاع المأزومة فى ليبيا وسوريا والعراق.
وكان مستلفتا بذات القدر ما سجله أمام المسئولين المصريين: «روسيا لا تمانع فى تصدير مصر الغاز لأوروبا على ما تعهدت».
بإدراك دبلوماسى لأهمية الموقع المصرى فهو يطلب مد خيوط التواصل مع القاهرة مدركا بالوقت نفسه أن حجم الاحتياجات الأوروبية من الغاز لا يسمح بالاستغناء عن روسيا.
بتوقيت متزامن خفضت موسكو صادراتها من الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب «نورد سترديم 1» إلى نسبة (20%) بذريعة مصاعب تقنية، وهو ما شككت فيه ألمانيا!
مناورات الغاز والغذاء لن تتوقف قبل انتهاء الحرب، كل طرف يحاول أن يقيم الحجة على الآخر.
فى جولته الإفريقية أفاض «لافروف» فى إثبات «أن العقوبات الغربية المفروضة على بلاده تعرقل التعاون مع القارة».
فى المبارزة الاستراتيجية بين القطبين الدوليين طرحت أزمة سد النهضة نفسها على جدول الأعمال الملتهب.
الجولة الإفريقية لـ«لافروف» تضم إثيوبيا، ذات الأهمية الاستراتيجية فى القرن الإفريقى، وقد كان الدور الروسى مؤثرا فى إفلات أديس أبابا من أية مؤاخذة أممية فى مجلس الأمن على ما تتخذه من إجراءات انفرادية فى مشروع بناء سد النهضة دون اعتبار لمصالح دولتى المصب مصر والسودان، أو أية قواعد قانونية دولية.
الموقف السلبى نفسه اتخذته الصين.
الأطراف الدولية كلها مدعوة الآن إلى إعادة النظر فى مواقفها، أو أن تكون أكثر توازنا.
المصالح وحسابات القوة، قبل القانون الدولى والاعتبارات الأخلاقية، سوف تحكم المواقف الأخيرة فى أزمة سد النهضة.
لم تكن مصادفة أن تستبق الولايات المتحدة جولة «لافروف» بمبادرة عبر مبعوثها فى القرن الإفريقى للتوصل إلى حل دبلوماسى لأزمة سد النهضة بعد قلة اكتراث أبدته منذ صعود «بايدن» إلى البيت الأبيض.
فى المنازعة الاستراتيجية على القوة والنفوذ لا يمكن تجاهل حجم وأهمية الموقع المصرى فى الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، فإذا ما نجحت فى إدارة التوازن بين القطبين الدوليين وفق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وحدها فإنها سوف تحصد اتفاقا قانونيا ملزما بشأن سد النهضة يضمن حقوق مواطنيها فى شريان الحياة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المبارزة الاستراتيجية هنا وحولنا المبارزة الاستراتيجية هنا وحولنا



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt