توقيت القاهرة المحلي 00:13:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -
أخبار عاجلة

برودة الإيموجي ودفء المشاعر

  مصر اليوم -

برودة الإيموجي ودفء المشاعر

بقلم : خالد منتصر

هل قتل الإيموجى دفء التواصل وحميمية المشاعر؟ هل اكتفينا بتلك الرموز الصامتة على الشاشة، فأصبحت بديلاً عن البسمة واللمسة وربتة الكتف وقبلة الجبين؟ هل لم تعد عبارة «أحبك» تحتاج إلى شجاعة البوح، ويكفى أن تضغط على قلب أحمر، ليحس من أمامك أنك تحبه؟ للأسف لم يعد الحزن يستدعى البحث عن كلمات المواساة؛ وجه أصفر تسيل منه دمعة يؤدى المهمة، هكذا صار للمشاعر كتالوج جاهز، على كيبورد، نختار منه كما نختار فاست فود، ثم نغلق الشاشة مطمئنين إلى أننا أدينا واجب الحنان.

الإيموجى لم يخترع جفافنا، لكنه وجد فيه سوقاً رائجة، دخل إلى علاقات أنهكها الاستعجال، وإلى بشر يريدون الاحتفاظ بالآخرين دون منحهم الوقت، ترجم ضعف التواصل، ثم ساهم فى تكريسه؛ لأن الاختصار، حين يصبح عادة، يجعل الجملة عبئاً، والإصغاء ترفاً، والحميمية مجهوداً يمكن الاستغناء عنه، كانت رسالة الحب تكشف صاحبها، بارتباكه، بمفرداته، بخطه المتلعثم، أو حروفه المنتشية، محاولاته المتعثرة ليقول شيئاً لم يقله أحد بالطريقة نفسها، أما القلب الجاهز فلا يحمل بصمتنا، أو هويتنا، يرسله الملايين دون عناء، يرسله العاشق، ويرسله البائع إلى الزبون، ويرسله شخص يريد إنهاء الحديث بأدب، صار الرمز قادراً على احتضان المعنى ونقيضه، ولذلك يسهل إرساله دون أن يورط صاحبه فى شعور واضح، الملامح صارت ممسوخة، لصالح القالب الجاهز، تكتب لصديق أنك منهك، وأن العالم يضيق حولك، فيرد بوجه حزين.

هل فهم؟ هل تألم؟ هل يريد أن يسمع؟ لا تعرف. لقد تسلمت إيصالاً إلكترونياً بوصول الحزن، بينما كنت تحتاج إلى سؤال بسيط: «احكى لى، ماذا حدث؟»، هناك فرق بين تسجيل حضورنا فى المحادثة، وحضورنا الحقيقى فى حياة إنسان، الحميمية تحتاج إلى تفاصيل تبدو صغيرة: أن تتذكر سبب خوفه، أن تسأله عما انتهى إليه يومه، أن تحتمل تكرار شكواه، وأن تصوغ له كلمات تخصه وحده، الإيموجى، حين يحل محل ذلك كله، يجعل الآخرين متشابهين، القلب نفسه للجميع، والوردة نفسها لكل مناسبة، والدمعة نفسها لكل موت، ولا يصح أن نحاكم كل قلب مرسوم باعتباره شهادة وفاة للعاطفة، قد تحمل صورة صغيرة دفئاً حقيقياً بين شخصين يعرفان بعضهما جيداً، المشكلة تبدأ حين نستعملها ستاراً وراءه كسلنا العاطفى، ونمنحها مهمة الكلام الذى نخشى قوله، أو الوقت الذى نبخل به، أو الاعتذار الذى لا نريد تحمل مسئوليته.

فزر القلب لا يختبر قدرتك على الحب، ووجه يبكى لا يسألك إن كنت مستعداً للجلوس بجوار الحزين، يمكنك أن تنثر عشرات القلوب وأنت لا تمنح أحداً عشر دقائق، هنا تتحول سهولة التعبير إلى وهم: نظن أننا بذلنا المشاعر، بينما بذلنا حركة إصبع، وربما كان أخطر ما يحدث أن نتعود نحن أيضاً طلب القليل، نفرح بالعلامة، ونتراجع عن السؤال، ونخجل من احتياجنا إلى مكالمة أو لقاء، يصبح الجوع العاطفى أمراً شخصياً نخفيه، بينما تتكدس على الشاشة أدلة ظاهرية على أننا محبوبون، ومحاطون، وأن أحداً لا ينقصه شىء، نحتاج إلى استعادة الكلام والحوار والتواصل اللفظى والكتابى، بما فيه من تعثر ومخاطرة ومجهود، قل لماذا تحب، واسأل أين الألم، واكتب اعتذارك كاملاً، امنح القلب المرسوم فؤاداً شريكاً يسنده، فالشاشة تضىء بسهولة، أما روح الإنسان فتحتاج إلى حضور كثيف لكى تضاء سراديبها الخافتة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

برودة الإيموجي ودفء المشاعر برودة الإيموجي ودفء المشاعر



GMT 22:51 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

من أين؟

GMT 22:43 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الحوثي وأطفال اليمن المساكين

GMT 22:40 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة رئاسية برازيلية في صناديق مغلقة

GMT 22:37 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أمُّ القضايا في الشرق الأوسط

GMT 22:33 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

السياسة والرياضة... آثار التطوّر التقني

GMT 22:30 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مئوية الدستور... سؤال الجماعة أم الدولة؟

GMT 22:25 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

تعليم يقدمه عز

GMT 22:15 2026 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

بارقة أمل فى الأفق!

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 04:53 2022 الثلاثاء ,18 كانون الثاني / يناير

12 مليون جنيه تنهي نصف أزمة التجديد لبن شرقي في الزمالك

GMT 19:04 2022 الخميس ,03 آذار/ مارس

تأهيل الحكومة الرقمية من أجل التنمية

GMT 22:39 2024 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

معرض فني يجمع الأمير هاري والأمير سيزو في نيويورك

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 11:12 2024 الأحد ,14 كانون الثاني / يناير

دعاء دخول شهر رجب

GMT 14:37 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

عطل يضرب تطبيق فيس بوك ماسنجر حول العالم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt