بقلم: خالد منتصر
كل شىء صار فى عصر الكمبيوتر قابلاً للبرمجة، حتى خلايا جسمك!، تخيّل خليةً هرمت، وضعفت قدرتها على إصلاح نفسها، ثم جاء العلماء ليغيّروا طريقة عملها فتستعيد بعض نشاطها القديم، هذه هى الفكرة التى تقف وراء إعادة البرمجة الجزئية للخلايا، أحد أكثر أبحاث الشيخوخة إثارة اليوم، وهى محاولة لإصلاح ما أصاب الخلية مع مرور الوقت، لا وصفة جاهزة لإعادة الشباب إلى الإنسان.
بدأت القصة مع اكتشاف أن مجموعة من البروتينات، تُعرف بعوامل ياماناكا، تستطيع تحويل خلايا بالغة إلى خلايا شبيهة بالخلايا الجذعية، كان اكتشافاً مذهلاً، لكنه كشف مشكلة أيضاً وهى أن إعادة البرمجة الكاملة تمحو هوية الخلية، فخلية العين، مثلاً، يجب أن تظل خلية عين حتى تؤدى وظيفتها، لذلك يحاول الباحثون تشغيل بعض هذه العوامل لفترة محدودة، آملين أن تستعيد الخلية خصائص أكثر شباباً قبل أن تفقد هويتها.
لكن ما الذى يتغير داخلها؟، مع العمر تتبدل «العلامات فوق الجينية»، وهى إشارات تساعد الخلية على تحديد الجينات التى تشغّلها والجينات التى تفرملها، من دون تغيير تسلسل الحمض النووى نفسه. تستهدف إعادة البرمجة الجزئية بعض هذه الأنماط، وقد أظهرت تجارب على خلايا فى المختبر وحيوانات تحسناً فى مؤشرات خلوية ووظائف محددة، ومن أشهر الأمثلة تحسن تجدد أعصاب العين وبعض مقاييس الإبصار فى الفئران.
وفى عام ٢٠٢٦ وصلت الفكرة إلى تجربة بشرية مبكرة، تختبر شركة Life Biosciences علاجاً يسمى ER-100 لدى أشخاص أصيبوا بتلف فى العصب البصرى، بينهم مرضى الجلوكوما، وفى أكتوبر أعلنت الشركة أن أول ثلاثة مشاركين تحملوا العلاج خلال ٥٦ يوماً، مع إشارات أولية إلى تحسن اختبار المجال البصرى لدى اثنين منهم، هذه بيانات أعلنتها الشركة عن عدد ضئيل من المرضى.
التجربة ما زالت جارية وهدفها الأساسى تقييم السلامة، ولا تكفى نتائجها لإثبات فاعلية العلاج، يبقى التحدى الأصعب هو التحكم فى العملية: مقدار إعادة البرمجة، ومدة استمرارها، وما إذا كان أثرها يدوم من دون زيادة خطر النمو الخلوى غير المنضبط، لقد أصبح تجديد بعض خصائص الخلايا سؤالاً قابلاً للتجربة العلمية. أما تجديد شباب جسم كامل، فما زال فرضية تنتظر الدليل.