بقلم:خالد منتصر
فى رمضان من كل عام، تحدث ثورة فى علم الأناتومى والفسيولوجى، فهناك غدة محتقنة فى أجساد المصريين تنشط فى هذا الشهر الكريم، الذى من المفروض أن يكون شهر الصوم والإحسان والتسامح والتكافل والهدوء النفسى، لكن نشاط تلك الغدة يحوله عند البعض لشهر تحرش دينى وحشرية فى شؤون الآخرين وتربص وتسلط ووصاية، يتحول المواطن إلى مطوع فى هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ازداد نشاط واحتقان تلك الغدة هذا العام بشكل هستيرى، رأينا فى المترو والقطار رجالاً ملتحين يقفون ليخطبوا خطبهم العصماء عن ماكياج المرأة، وزى المرأة، مثلما حدث فى قطار المنوفية، عندما قام رجل فجأة ليعظ السيدات والبنات، ويحذرهن من خطر الماكياج، البنات غلابة، قطعوا تذكرة القطار بالعافية، وشراء «صباع» روج يحتاج منهم إلى ميزانية!!، لكن هذا الداعية الذى لا نعرف هل دفع ثمن التذكرة أم زوغ من الكمسارى، قرر أن هؤلاء البنات هن سبب غلاء الأسعار، وارتفاع معدل التضخم، وأعتقد أنه يحملهن مسؤولية الحرب الإيرانية وضياع القدس، ميكروباصات بكاسيتات الوعظ، أصحاب محلات متهربون من الضرائب، لكنهم يتحولون إلى المهدى المنتظر فى رمضان، أطباء فى عياداتهم يتناسون الطب ويلقون بمراجعه فى سلة المهملات، ويجبرون المرضى على الصيام، بحجة عدم تحمل وزرهم، انتشار لافتات دينية فى الميادين والشوارع... إلخ، وصلنا إلى الذروة بما شاهدناه جميعاً فى فيديو البلطجى الذى لم يحتمل رؤية سيجارة فى رمضان، وشتم الشاب بأقذع الألفاظ، وسبه بأمه بكل سوقية، مدعياً أنه يدافع عن الله، وعن دين الله، وكأن الله جل جلاله يحتاج إلى بودى جارد مثل هذا البنى آدم؟!!، كل ما يحدث من نشاط فى تلك الغدة الرمضانية، وارتفاع مستوى هرموناتها وإنزيماتها، يتم تحت لافتة «لا تستفزنى فى رمضان»!!، ولا أعرف أين الاستفزاز فى تصرف شخصى، سيحاسبه الله عليه؟، فالصيام لله، وعلاقة الصائم هى علاقة خاصة مع السماء، الصائم يصوم كاطمئنان إيمانى، وليس خوفاً من كاميرا المراقبة السماوية، أو رعباً من مجتمعه، ولابد من احترام المساحة الشخصية لكل إنسان ومواطن بغض النظر عن اعتقاده الدينى، هذا أبسط حقوق المواطن فى أى بلد، والسؤال الذى يفرض نفسه، هل تسمح للمسيحى أن يدور على محلات الكباب والشاورما مطالباً بإغلاقها أثناء فترة صيامه لأنها تستفز مشاعره، وتخدش عقيدته؟!، هل نسمح لحافى القدمين أن يحطم واجهات محلات الأحذية الزجاجية، بحجة استفزازه؟، هل من يمشى على عكاز من حقه أن يمنع سليم القدمين من السير فى الشارع؟... إلخ، هذا عبث ووصاية مجانية أوڤر، البلاد التى اخترعت نظام المطوعين، هجرته لأنه نظام لا يتفق مع بديهيات التحضر والحداثة، بل لا يتفق مع الإنسانية، أنت مسؤول عن تدينك وعن علاقتك بربك، وليس عن تدين جارك أو علاقته بربه، والحكومة واجبها أن تدخل إلينا المياه والصرف الصحى، وليس أن تدخلنا الجنة، وأن توفر لنا المدارس والمستشفيات، لا أن توفر لنا الأرائك والحور العين فى الفردوس، لابد أن نتعامل مع المواطن على أنه المواطن المصرى، وليس المواطن المسلم الذى على مقاس إسلامى أنا، فهناك إسلام عمر عبد الرحمن الأزهرى، وهناك إسلام سعد الهلالى الأزهرى أيضاً، وألوان طيف كثيرة بينهما، وليست فريضة واجبة أن تقحمنى فى إطار أى منهم، أتمنى أن يتحول رمضان لشهر تسامح وسلام، وليس شهر وصاية أو اقتحام.