توقيت القاهرة المحلي 04:51:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفيروسات تنصف داروين

  مصر اليوم -

الفيروسات تنصف داروين

بقلم:خالد منتصر

عبقرية داروين لا تكمن فقط فى كتابه عن التطور واكتشافه للنظرية، بل تكمن فى إنصاف علم الوراثة والحفريات وأيضاً الفيروسات، كل يوم يثبت العلم بدليل لا يقبل الشك أن التطور حقيقة، اطلعت أخيراً على بعض المقالات والكتب التى تتحدث عن علاقة ما يسمى الفيروسات القهقرية ونظرية التطور، وهذه هى الحصيلة والملخص، تخيل أنك عثرت داخل مكتبة عائلتك على رسالة قديمة جدًا كتبها أحد أجدادك قبل مئات السنين.

ثم اكتشفت أن أبناء عمومتك فى مدينة أخرى يحتفظون بالرسالة نفسها، وفى الصفحة نفسها، بل وحتى فى السطر نفسه، ما هو التفسير الأكثر منطقية؟ أنكم ورثتم هذه الرسالة من سلف مشترك، هذا بالضبط ما وجده علماء الوراثة داخل الحمض النووى للكائنات الحية، ولكن الرسالة هنا لم يكتبها إنسان، بل فيروس، الفيروسات القهقرية أو الارتجاعية هى نوع خاص من الفيروسات يختلف عن معظم الفيروسات الأخرى، فعندما يصيب خلية لا يكتفى بالتكاثر داخلها، بل ينسخ مادته الوراثية ويُدخلها إلى الحمض النووى للكائن المصاب. كأنه يترك توقيعه داخل كتاب الحياة نفسه، فى معظم الحالات لا تنتقل هذه التوقيعات إلى الأجيال التالية، لأن الإصابة تحدث فى خلايا الجسم العادية.

لكن أحيانًا نادرة جدًا يصيب الفيروس خلية جنسية، كحيوان منوى أو بويضة. عندها تصبح البصمة الفيروسية جزءًا من المادة الوراثية التى تُورَّث للأبناء والأحفاد، ومع مرور ملايين السنين تتحول هذه البصمات إلى حفريات جينية محفوظة داخل الجينوم، المذهل أن العلماء عندما فحصوا الجينوم البشرى وجدوا أن نحو ٨٪ من حمضنا النووى يتكون من بقايا فيروسات قهقرية قديمة. هذه النسبة أكبر من النسبة التى تشغلها الجينات المسؤولة مباشرة عن تصنيع البروتينات فى أجسامنا نحن نحمل داخل خلايانا متحفًا كاملاً من آثار معارك قديمة بين أسلافنا وهذه الفيروسات.

لكن ما هى علاقة ذلك بالتطور؟، هنا تبدأ القصة الحقيقية، عندما قارن العلماء بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزى وجدوا آلاف البصمات الفيروسية الموجودة فى المواضع نفسها تقريبًا داخل الكروموسومات، ليس فقط أن الفيروس موجود عند النوعين، بل إنه مدفون فى المكان نفسه من الحمض النووى، احتمال أن يصيب فيروسان مختلفان نوعين مختلفين ثم يندمجا مصادفة فى الموضع نفسه آلاف المرات يكاد يكون مستحيلاً. أما التفسير البسيط فهو أن الإصابة حدثت مرة واحدة فى سلف مشترك قديم، ثم ورثها نسل ذلك السلف حتى وصلت إلينا وإلى الشمبانزى، كلما ابتعدنا عن أقربائنا على شجرة الحياة تقل هذه البصمات المشتركة.

فالإنسان يشترك مع الشمبانزى فى عدد كبير جدًا منها، ويشترك مع الغوريلا فى عدد أقل قليلًا، ومع القردة الأبعد فى عدد أقل، وهكذا، إنها صورة تطابق بدقة شجرة النسب التى تنبأت بها نظرية التطور قبل أن يعرف العلماء شيئًا عن الحمض النووى، والأكثر إدهاشًا أن بعض هذه الجينات الفيروسية لم تبق مجرد آثار صامتة، فقد أعاد التطور توظيف بعضها لخدمة الكائن الحى، ومن أشهر الأمثلة بروتين «سينسيتين» الضرورى لتكوين المشيمة عند الإنسان والثدييات.

هذا البروتين كان فى الأصل جزءًا من فيروس قديم يستخدمه للاندماج مع الخلايا، ثم استعارته الطبيعة واستخدمته لمساعدة خلايا المشيمة على الاندماج وتكوين العضو الذى يغذى الجنين داخل الرحم. بعبارة أخرى، أحد أهم العناصر اللازمة لنجاح الحمل عند البشر يعود أصله إلى فيروس عاش قبل عشرات الملايين من السنين، لهذا ينظر علماء الأحياء إلى الفيروسات القهقرية كواحدة من أقوى الأدلة الجزيئية على التطور، فهى لا تخبرنا فقط أن الكائنات الحية تغيرت عبر الزمن، بل تحفظ أيضًا سجلاً تاريخيًا لهذه التغيرات داخل الجينوم نفسه.

إنها أشبه بأختام بريدية قديمة ما زالت ملتصقة برسائل وصلت إلينا من أسلاف عاشوا قبل ملايين السنين، عندما كان داروين يكتب كتابه الشهير «أصل الأنواع» لم يكن يعلم شيئًا عن الحمض النووى أو الفيروسات القهقرية. ومع ذلك تنبأت نظريته بأن الكائنات الحية يجب أن تحمل آثارًا مشتركة تدل على انحدارها من أسلاف مشتركة. وبعد أكثر من قرن جاء علم الوراثة الحديث ليكشف تلك الآثار حرفيًا داخل كل خلية من خلايانا، إنها واحدة من اللحظات النادرة فى العلم التى يبدو فيها الماضى وكأنه ما زال يتحدث إلينا، ليس من خلال الحفريات فى الصخور، بل من خلال حفريات محفوظة داخل جيناتنا نفسها.

لمزيد من الشرح والفهم إليكم تلك المراجع:

Why Evolution Is True — للمؤلف Jerry Coyne

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيروسات تنصف داروين الفيروسات تنصف داروين



GMT 08:21 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

GMT 08:18 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

لنتخلص من “شو طالع في إيدو”

GMT 08:14 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الزلزال أكثر رأفة

GMT 08:12 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

هرمز... الكلام «على إيه»؟

GMT 08:10 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

GMT 08:00 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

GMT 07:51 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

النجاح والفشل كلاهما كذبة

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول

GMT 12:02 2018 الثلاثاء ,25 أيلول / سبتمبر

صامويل إيتو يؤكد أن ليونيل ميسي الأفضل في العالم

GMT 21:27 2019 الإثنين ,28 كانون الثاني / يناير

رواية "الجنية" لمازن فاروق بدر في طبعتها الثانية قريبًا

GMT 15:19 2024 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

بايرن ميونيخ يقرر تمديد عقد مدافعه أوباميكانو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt