توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

  مصر اليوم -

العفريتة شهادة ميلاد العالم

بقلم:مأمون فندي

قبل أن أخوض في حديثي هذا أودُّ أن أقول إنَّ كلمة «العفريتة» التي ابتكرتها الذاكرة الشعبية المصرية قبل عقود طويلة، قد تكون أكثر حداثة من كثير من المصطلحات التقنية التي نستخدمها اليوم. فقد فهم الناس ببساطة ما نحاول نحن أن نفهمه الآن بلغة الفلسفة والذكاء الاصطناعي. فالعفريتة كانت شهادة ميلاد الصورة.

كنتُ أول من احتفل بالعفريتة وعلّقها في غرفته. أُخذت لنا صورة الشهادة الابتدائية. كنَّا نرتدي القميص ذاته والجاكيت ذاته. كنَّا نخلع ملابسنا في الاستوديو ونلبس القميص ذاته والجاكيت ذاته، وأحياناً لا شيء تحتهما. تسلَّمت الصور بالمقاس الذي تطلبه المدرسة (ستة في تسعة).

العفريتة هي الصورة المقلوبة؛ الأبيض فيها أسود، والأسود أبيض، كما الأشباح. وربما لهذا تعارف الناس عليها باسم «العفريتة». لكنها لم تكن مجرد صورة مقلوبة، بل شهادة ميلاد الصورة نفسها.

منذ البداية كنت مغرماً بالعفريتة وبغرفة التحميض؛ تلك الغرفة المظلمة التي يدخل إليها الفيلم بعد أن يمر الضوء عبر العدسة. يُغمس في السائل الكيميائي، ثم يُغسل بالماء، ثم يعلق على حبل حتى تجف الصورة. كانت الصورة تمر برحلة كاملة قبل أن تصبح حقيقة قابلة للرؤية.

في عصر الذكاء الاصطناعي وتكرار الصور التي بلا أصل؛ إذ نرى صوراً لطفل لم يولد، وحرباً لم تحدث، وأصواتاً لم تخرج من حنجرة إنسان... عاد إليّ ذلك الهاجس الأول الخاص بالعفريتة وغرفة التحميض و«النيغاتيف». أين أصل كل هذه الصور؟ وهل لهذا العالم كاملاً من شهادة ميلاد؟ سؤالُ العالمِ اليوم: هل مرَّ الضوءُ من هنا ذاتَ مرة؟ وهل لهذا العالم عفريتة؟

قصة الأصل والصورة قديمة، وانشغل بها فلاسفة منذ أفلاطون حتى جون بودريارد. الصورة دائماً تأتي بعد الأصل، والأثر بعد الحدث. وحتى عندما اختلف الفلاسفة حول طبيعة الحقيقة، ظلوا متفقين على وجود نقطة بداية يمكن الرجوع إليها؛ شهادة ميلاد للصورة. لكن الذكاء الاصطناعي يضعنا لأول مرة أمام إمكانية إنتاج الصورة من دون أصل، العالم بلا شهادة ميلاد، بلا عفريتة ولا غرفة تحميض.

قصة العفريتة أدخلتني خلال العامين الماضيين في مشروع كتابة رواية انتهيت منها قبل يومين بعنوان «رسول». وفيها استعارتان حاكمتان هما غرفة التحميض و«الأتر» (الأثر). هناك جملة تتكرر في الرواية: «الرحم غرفة التحميض الأولى». فالإنسان نفسه يبدأ حياته في عتمة، ثم يخرج إلى النور حاملاً شهادة ميلاده.

«الأتر»، هكذا ننطق كلمة «الأثر» في قريتنا في صعيد مصر. لكن «الأتر» عندنا ليس مجرد بقايا شيء مضى. نقول: «فلان من بقية أترك»؛ أي من دمك وسلالتك وما تبقى منك في الآخرين. شخص يشترك معك في أصل واحد وإن تفرقت بكما الطرق.

العفريتة هي «أتر» الصورة. هي الدليل على أن الضوء مرَّ من هنا. هي الخيط الذي يربط النسخة بأصلها. الحضارة الإنسانية كلها قائمة على هذه الفكرة. المؤرخ يبحث عن وثيقة أصلية، والقاضي عن دليل، وعالم الآثار عن أثر. وحتى الإنسان العادي يحتفظ بشهادة ميلاده ليقول: لقد كنت هنا بالفعل. لكن ماذا يحدث عندما تصبح النسخة مستقلة عن الأصل، أو بلا أصل؟ في الصعيد نحن لسنا علماء آثار نبحث عن الذهب، بل علماء «أتر»، نتقصى ما بقي من حياة.

بعد عشرين عاماً من الآن قد تصبح معظم الصور التي نراها محل شك؛ ليس لأنَّها كلها مزيفة، بل لأن أحداً لن يستطيع بسهولة أن يثبت أيها وُلد في العالم الحقيقي، وأيها وُلد داخل خوارزمية. صور بلا «أتر» ولا عفريتة، لم تولد في غرفة التحميض. هنا تصبح الأزمة ليست أزمة معلومات، بل أزمة «أتر»، وأزمة أصالة. يصبح التحدي هو البحث عن عفريتة، وعن طرق تمنح الأشياء شهادات ميلادها. التحدي ليس الصورة نفسها، بل إثبات نسبها.

وربما تكون المهمة الكبرى لجيلنا هي البحث عن شهادة ميلاد العالم الرقمي كله. فعندما يفقد العالم عفريتته، يفقد أصله. وعندما يضيع الأصل، يصبح كل شيء محل شك. ما زلت أضحك على العفريتة، وعلى الوقوف في الاستوديو بجاكيت وقميص مستعارين، ولا تعرف الإدارة التعليمية في القاهرة أننا كنا بلا ملابس تحت الجاكيت والقميص!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العفريتة شهادة ميلاد العالم العفريتة شهادة ميلاد العالم



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt