توقيت القاهرة المحلي 22:49:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

  مصر اليوم -

العفريتة شهادة ميلاد العالم

بقلم:مأمون فندي

قبل أن أخوض في حديثي هذا أودُّ أن أقول إنَّ كلمة «العفريتة» التي ابتكرتها الذاكرة الشعبية المصرية قبل عقود طويلة، قد تكون أكثر حداثة من كثير من المصطلحات التقنية التي نستخدمها اليوم. فقد فهم الناس ببساطة ما نحاول نحن أن نفهمه الآن بلغة الفلسفة والذكاء الاصطناعي. فالعفريتة كانت شهادة ميلاد الصورة.

كنتُ أول من احتفل بالعفريتة وعلّقها في غرفته. أُخذت لنا صورة الشهادة الابتدائية. كنَّا نرتدي القميص ذاته والجاكيت ذاته. كنَّا نخلع ملابسنا في الاستوديو ونلبس القميص ذاته والجاكيت ذاته، وأحياناً لا شيء تحتهما. تسلَّمت الصور بالمقاس الذي تطلبه المدرسة (ستة في تسعة).

العفريتة هي الصورة المقلوبة؛ الأبيض فيها أسود، والأسود أبيض، كما الأشباح. وربما لهذا تعارف الناس عليها باسم «العفريتة». لكنها لم تكن مجرد صورة مقلوبة، بل شهادة ميلاد الصورة نفسها.

منذ البداية كنت مغرماً بالعفريتة وبغرفة التحميض؛ تلك الغرفة المظلمة التي يدخل إليها الفيلم بعد أن يمر الضوء عبر العدسة. يُغمس في السائل الكيميائي، ثم يُغسل بالماء، ثم يعلق على حبل حتى تجف الصورة. كانت الصورة تمر برحلة كاملة قبل أن تصبح حقيقة قابلة للرؤية.

في عصر الذكاء الاصطناعي وتكرار الصور التي بلا أصل؛ إذ نرى صوراً لطفل لم يولد، وحرباً لم تحدث، وأصواتاً لم تخرج من حنجرة إنسان... عاد إليّ ذلك الهاجس الأول الخاص بالعفريتة وغرفة التحميض و«النيغاتيف». أين أصل كل هذه الصور؟ وهل لهذا العالم كاملاً من شهادة ميلاد؟ سؤالُ العالمِ اليوم: هل مرَّ الضوءُ من هنا ذاتَ مرة؟ وهل لهذا العالم عفريتة؟

قصة الأصل والصورة قديمة، وانشغل بها فلاسفة منذ أفلاطون حتى جون بودريارد. الصورة دائماً تأتي بعد الأصل، والأثر بعد الحدث. وحتى عندما اختلف الفلاسفة حول طبيعة الحقيقة، ظلوا متفقين على وجود نقطة بداية يمكن الرجوع إليها؛ شهادة ميلاد للصورة. لكن الذكاء الاصطناعي يضعنا لأول مرة أمام إمكانية إنتاج الصورة من دون أصل، العالم بلا شهادة ميلاد، بلا عفريتة ولا غرفة تحميض.

قصة العفريتة أدخلتني خلال العامين الماضيين في مشروع كتابة رواية انتهيت منها قبل يومين بعنوان «رسول». وفيها استعارتان حاكمتان هما غرفة التحميض و«الأتر» (الأثر). هناك جملة تتكرر في الرواية: «الرحم غرفة التحميض الأولى». فالإنسان نفسه يبدأ حياته في عتمة، ثم يخرج إلى النور حاملاً شهادة ميلاده.

«الأتر»، هكذا ننطق كلمة «الأثر» في قريتنا في صعيد مصر. لكن «الأتر» عندنا ليس مجرد بقايا شيء مضى. نقول: «فلان من بقية أترك»؛ أي من دمك وسلالتك وما تبقى منك في الآخرين. شخص يشترك معك في أصل واحد وإن تفرقت بكما الطرق.

العفريتة هي «أتر» الصورة. هي الدليل على أن الضوء مرَّ من هنا. هي الخيط الذي يربط النسخة بأصلها. الحضارة الإنسانية كلها قائمة على هذه الفكرة. المؤرخ يبحث عن وثيقة أصلية، والقاضي عن دليل، وعالم الآثار عن أثر. وحتى الإنسان العادي يحتفظ بشهادة ميلاده ليقول: لقد كنت هنا بالفعل. لكن ماذا يحدث عندما تصبح النسخة مستقلة عن الأصل، أو بلا أصل؟ في الصعيد نحن لسنا علماء آثار نبحث عن الذهب، بل علماء «أتر»، نتقصى ما بقي من حياة.

بعد عشرين عاماً من الآن قد تصبح معظم الصور التي نراها محل شك؛ ليس لأنَّها كلها مزيفة، بل لأن أحداً لن يستطيع بسهولة أن يثبت أيها وُلد في العالم الحقيقي، وأيها وُلد داخل خوارزمية. صور بلا «أتر» ولا عفريتة، لم تولد في غرفة التحميض. هنا تصبح الأزمة ليست أزمة معلومات، بل أزمة «أتر»، وأزمة أصالة. يصبح التحدي هو البحث عن عفريتة، وعن طرق تمنح الأشياء شهادات ميلادها. التحدي ليس الصورة نفسها، بل إثبات نسبها.

وربما تكون المهمة الكبرى لجيلنا هي البحث عن شهادة ميلاد العالم الرقمي كله. فعندما يفقد العالم عفريتته، يفقد أصله. وعندما يضيع الأصل، يصبح كل شيء محل شك. ما زلت أضحك على العفريتة، وعلى الوقوف في الاستوديو بجاكيت وقميص مستعارين، ولا تعرف الإدارة التعليمية في القاهرة أننا كنا بلا ملابس تحت الجاكيت والقميص!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العفريتة شهادة ميلاد العالم العفريتة شهادة ميلاد العالم



GMT 08:21 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

GMT 08:18 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

لنتخلص من “شو طالع في إيدو”

GMT 08:14 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الزلزال أكثر رأفة

GMT 08:12 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

هرمز... الكلام «على إيه»؟

GMT 08:10 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

GMT 07:51 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

النجاح والفشل كلاهما كذبة

GMT 07:49 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

مذكرة التفاهم... مخاوف لم تحسم بعد

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 09:25 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة
  مصر اليوم - صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt