توقيت القاهرة المحلي 01:06:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يدفع الفاتورة

  مصر اليوم -

من يدفع الفاتورة

بقلم : سوسن الأبطح

الترويج الجنوني للذكاء الاصطناعي، مع وعود خيالية بتغيير نمط الحياة، وإدخالنا إلى عالم يشبه اليوتوبيا، يصطدم بتردد الناس وانكفائهم، وخوف عام من المستخدمين، ما يجعل الشركات التكنولوجية الكبرى في محنة وجودية.

يقال إن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، لا ينام جيداً. وهو محق، لأنه استثمر مبالغ باهظة لإغراء الناس، ومع ذلك لا يزال 95 في المائة من المستخدمين لتطبيقه يرفضون دفع أي مقابل، ويكتفون بالقليل الذي يتيحه لهم بالمجان. وهذه كارثة على شركات تنفق مئات المليارات، ولا ترى أي أفق، على المدى المنظور، لاسترداد خسائرها. وشركات الذكاء الاصطناعي في الهم سواء.

ففي كل مرة تلهو مع «تشات جي بي تي»، لتسأله عن حالة الطقس أو تطلب منه طرفة أو أن يسدي لك نصحية، تتكلف عليك الشركة 10 سنتات. هذه المجانية ليست لسواد عيون العامة، بل أريد منها أن تكون مصيدة، لزيادة عدد المشتركين المستقبليين. لكن هؤلاء تأخروا كثيراً، وباتوا يتسببون بخسائر مئات آلاف الدولارات يومياً، ولا يبدو أنهم سيعلقون في الفخ. فإذا كانت أرباح «أوبن إيه آي» 13 ملياراً في السنة، فإن تكاليفها تفوق ذلك. فالخدمة تبتلع كماً هائلاً من الكهرباء، وتدفقات مهولة من الماء، وتدريب نموذج واحد فقط يحتاج 30 ملياراً، هذا عدا أجهزة مراكز البيانات التي تحتاج تجديداً دورياً.

من بين مليار مستخدم لـ«تشات جي بي تي»، لا يوجد سوى 50 مليون مشترك، غالبيتهم من الأفراد، لأن الشركات لا تزال تتردد وتتخوف. دراسة لجامعة «إم إيه تي» بينت أن 70 في المائة من المؤسسات في العالم تعتبر الذكاء الاصطناعي خطراً يهدد بياناتها، بسبب التسريبات التي أظهرت مدى ارتباط الشركات العملاقة بالمشاريع السياسية والعسكرية لحكوماتها. وليست قليلة المؤسسات التي عدّلت خططها، لأنها تعتبر أن معلوماتها هي جزء من السيادة الوطنية التي ترفض الكشف عنها.

لهذا نحن أبعد ما نكون عن وعود إيلون ماسك بأن الذكاء الاصطناعي سيحول شكل يومياتنا، وسنصبح سياحاً على الكوكب بعد سنوات قليلة، وأن «العمل سيكون خياراً شخصياً بدلاً من ضرورة للبقاء». ماسك نفسه يتمنى لو يتباطأ تطوير الذكاء الاصطناعي لأنه بات أسرع من استيعابه، ومن قدرة البشرية على اللحاق به، حتى تصديق أنه سيصبح وكيلاً ذاتياً يدير الحياة بالكامل. الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى إدماج الخدمة بالكامل مع البنى التحتية المادية والخدماتية، بينما الواقع أن هذه التطبيقات لا تزال بالنسبة للبشرية «صندوق محادثة» وتسلية، وليست نظام تشغيل حيوياً لا غنى عنه.

لهذا، فإن التقنية التي وصفت بـ«الأكثر إدهاشاً» تعاني من فجوة بين طموحها وإنفاقها ونتائجها الباهرة، مقارنة بما يطلبه الجمهور وما هو مستعد لتمويله أو التعامل معه بثقة وأمان.

هدف أصحاب الشركات، كي يستردوا ملياراتهم، أن يصبح الذكاء الاصطناعي شرطاً للحياة كالماء والكهرباء، ولكل مستخدم عداداً يسدد اشتراكه بموجبه، وهو ما يمكن أن يستغرق إنجازه عقداً أو اثنين، لأن المشتركين الحقيقيين في السنة الواحدة لا يتزايد عددهم عن 10 ملايين. وهو رقم كبير لكن الطموح أكبر.

توقع مليارديرات التكنولوجيا هجوماً جماهيرياً كاسحاً على مبتكراتهم، واصطدموا بفتور غير متوقع. ولهذا البرود أسباب، منها أن ما تقدمه هذه الأنظمة لا يزال بحاجة إلى تدقيق، ومراجعة، وهي تهلوس وتخطئ، وليست مبدعة بالقدر المقنع. لذلك غالبية الاستخدامات، تقتصر على كتابة النصوص، والتحضير الأكاديمي، وتوليد الصور والفيديوهات، وهي يمكن أن تكون متاحة بالمجان.

السؤال لا يتركز حول من يربح اليوم، بل من يملك القدرة على الصبر والاستمرار ليبلغ النتيجة المرجوة. وإذا كانت الدول قد تنافست تاريخياً على النفط والسلاح والصناعات والزراعات، فإنها اليوم تتنافس على الخوارزميات والبيانات والقدرات الحاسوبية. والنتيجة هي التي ستحدد شكل خريطة إعادة توزيع القوى الاقتصادية، وموازين النفوذ.

رغم عدم الحماسة السريعة لهذه التقنيات التي تخترق كل خصوصية، فإنها لا بد أنها ستتحول تدريجياً إلى أداة للسيطرة، وهو تحديداً ما يشعر الغالبية بالتردد حيال بعض خدماتها.

ليس خافياً أن الحكومات هي الداعمة الأولى لسدّ ثغرة الخسائر، كي تعيش شركات لا تبيع، وتستمر بكامل رشاقتها. ويخشى أن السوق المستقبلية ستتركز في يد عدد محدود من الشركات القادرة على تحمل الخسائر بفضل الدعم الحكومي، وستطرد المشاريع الصغرى.

ففي سباق الذكاء الاصطناعي، لا يفوز من يملك أفضل نموذج، بل من يستطيع تحمّل الخسارة لأطول فترة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يدفع الفاتورة من يدفع الفاتورة



GMT 00:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 00:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رهان “الحزب” على اليمن…

GMT 00:00 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

نوم أفضل يعني جسما أرشق

GMT 23:59 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

هل نعلم أولادنا بالقسوة أم بالحب؟

GMT 23:58 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

استحضار الشاه عباس الصفوي اليوم

GMT 23:56 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 23:50 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 06:33 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 16:07 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد
  مصر اليوم - فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد

GMT 21:26 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج
  مصر اليوم - السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج

GMT 03:33 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

قرار سعودي عاجل بشأن محاولات الحج بدون تصريح

GMT 16:05 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

نوع مهاجر متكاثر مهاجر عابر جديدين من الطيور

GMT 00:02 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

عطور نسائية برائحة الشوكولاتة

GMT 16:44 2020 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

اليوم طلائع الجيش يبدأ فترة الإعداد لانطلاق الموسم الجديد

GMT 01:38 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

الأهلي يعلن رحيل لاعبه للاتحاد السكندري لمدة موسمين ونصف

GMT 21:45 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

ميك شوماخر يقترب خطوة أخرى من السير على خطى والده

GMT 07:42 2018 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

نحو اقتصاد عربى متجه للمستقبل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt