توقيت القاهرة المحلي 11:19:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الغرب والرغبة في انهياره!

  مصر اليوم -

الغرب والرغبة في انهياره

بقلم - رضوان السيد

تأخرت شهوراً في قراءة كتاب أمين معلوف الجديد: «متاهة الضائعين الغرب وخصومه». وجدته شبيه كتابيه السابقين: «اختلال العالم»، و«غرق الحضارات»، وهو يتضمن بحثاً تاريخياً معمقاً في علاقات العالم بالغرب (الأوروبي فالأميركي) خلال قرنين وأكثر، تغلّب الغرب خلالها على تحديات كبرى يمكن عدّها آسيوية جاءت من اليابان والسوفيات (الروس) وهو يتصارع اليوم مع الصين تقوده الولايات المتحدة، كما قادته في التحديين السابقين.

في كل حقبة من أزمنة التحدي والصراع يقول المؤرخون والاستراتيجيون: هذه المرة ليست مثل كل المرات! لكنّ الحقيقة فيما أحسب أنها كذلك بالفعل هذه المرة، لأنّ الهجوم على الغرب وزمنه الاستعماري (وسماه السوفيات واليساريون: الإمبريالي) يكاد يكون شاملاً، ونصف أهل الإدانة من الكتّاب والاستراتيجيين هم من الأميركيين والأوروبيين. والدوافع متعددة لكنّ النتيجة واحدة: إدانة الغرب والرغبة في انهياره أو الاستظهار أنّ الانهيار أو على الأقلّ التصدع حصل بالفعل! الدوافع عند معلوف وإيمانويل تود (في انهيار الغرب) أخلاقية وإنسانية. بينما يعد فريد زكريا الأمر متعلقاً بتراجع الكفاءة في الأنظمة والدول والتفوق الصيني. وأخيراً يذهب جوزيف ناي (في: القوة الناعمة) إلى تضاؤل جاذبية النموذج الأميركي بعد طول سوادٍ وسيادة ولأسبابٍ داخلية وخارجية.

بدأ نقد «الخطاب الاستعماري» كما هو معروف لدى اليساريين الجدد والأنثروبولوجيين (مثل طلال أسد) في السبعينات من القرن الماضي، وبلغ إحدى ذراه على يد إدوارد سعيد في الاستشراق، والثقافة والإمبريالية. بيد أنّ الحملة على الغرب الاستعماري المستمر والمتجوهر لدى الدارسين من العرب والهنود ومفكري أميركا اللاتينية تجاوزت نقدات سعيد للمستشرقين بأنهم خانوا قيم التنوير، إلى تكون تيار فكري نقدي (تيار التابع subaltern) يتهم قيم التنوير ذاتها، ويعد الغرب كله بتنويريته وليبراليته مثل يمينه واستعماره عدواً للعالم ولنفسه؛ فالتابع في الحقيقة لا يستطيع أن يتكلم (سبيفاك)! هذا التيار يمضي ويتعاظم ويحاول الصينيون وحتى الروس ركوب موجته في الاستراتيجيات والسياسات عندما يهدد الروس باستخدام النووي (دفاعاً عن النفس!)، ويعتدل الصينيون فيطالبون بتعديل النظام الدولي باتجاه التعددية القطبية، ووقف الضغوط على الاقتصاد الصيني المنطلق، ويذكّرون بمبادرتهم الاستراتيجية للشراكة العالمية التي أطلقوها عام 2013 باسم «الحزام والطريق».

الاستراتيجيون الغربيون المتشائمون ليست لديهم الأسباب نفسها للإدانة للغرب بشقيه بل هم قسمان: القسم الأكبر حزينٌ وآسِف، والقسم الآخر شامت. ما عاد الغرب هائل السطوة والسيطرة كما كان طوال أو معظم القرن العشرين. وضع العالم الحالي هو وضع «عالم ما بعد أميركا» بسبب القوة الصينية المتصاعدة في الاقتصاد والعسكر والتقدم العلمي (عنوان العدد الأخير من مجلة «الإيكونوميست»: صعود العلم الصيني!). بيد أنّ آخرين يذهبون إلى أنّ تصدع الغرب وقواه الناعمة قبل الخشنة علته قلة الكفاءة في إدارة الدول، واللجوء للحرب من أجل الإخضاع الذي ظهرت نتائجه السلبية في أفغانستان والعراق والآن في فلسطين. ويشير إيمانويل تود الفرنسي الشامت إلى استفحال سطوة اليمين المعادي للمهاجرين ومعظم العالم الخارجي. فحتى فكرة الاتحاد الأوروبي ما عادت جذابة للشباب في أوروبا. لكنّ أوضح مظاهر الفشل حالياً تتمثل في انهيار السطوة الفرنسية والأميركية في غرب أفريقيا ولصالح الروس والصينيين الذين قد لا يكونون خياراً أو بديلاً أفضل، لكنّ المهمّ أنّ كراهية الغرب صارت موجة سائدة!

موجة كراهية الغرب تورد الآن لسببين: صعود اليمين المتطرف في أوروبا، والحرب الإسرائيلية - الأميركية على غزة التي يعدونها آخر الحروب الاستعمارية. وهؤلاء يقولون إنه لولا المشاركة الأميركية والضعف السياسي والأخلاقي الأوروبي لما استطاعت إسرائيل شنَّ حرب الإبادة هذه.

إنّ شأن المفكر الإنتلجنسي (على النمط الفرنسي) في القرن الماضي أن يكون نقده جذرياً متشنّجاً. لكنه وهو يفعل ذلك ويسير على دربه مثقفو العالم الثالث (الذين يعيش أكثرهم في الغرب!) كان يحاول أن يطرح خيارات وبدائل ذات نزوع إنساني. إنما المشكلة في تيار التابع المتعاظم في العقود الأخيرة (ويشارك في نصيبٍ منه مفكرون عرب) أنه ينشر مقولة كراهية الغرب بوصفه خنّاق العالم، ومن دون اهتمامٍ كبيرٍ بالبدائل لأنّ أفكار التنوير (الغربي) مُدانة أيضاً؛ بينما يكفر قسم من الجمهور الغربي بالتنويريات.

لقد تغلب الغرب وفق معلوف على التحديات الآسيوية السابقة. فإلى أين يمضي الفكر العالمي، وقبل ذلك الواقع العالمي هذه المرة؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغرب والرغبة في انهياره الغرب والرغبة في انهياره



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt