توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كسرني هذا الرجل

  مصر اليوم -

كسرني هذا الرجل

بقلم -جميل مطر

أذكر أنك سألتنى ذات يوم قبل عشرين عاما عن سر السعادة المفاجئة التى شملتنى فتبدل شكلى وتغير مظهرى. قلت لى يومها عن طريق المديح أننى أبدو أطول مما كنت عليه قبل أسبوع. فرحت بانتباهك وسعدت بإطرائك. لم أصرح لك يومها بأن الكعب العالى الذى صرت أعتليه فى جميع أحذيتى هو المسئول عن هذه الزيادة فى الطول. لم أخبرك وقتها أن ما بدا لك تبدلا فى الشكل وتغيرا فى المظهر وتطورا فى الملبس بما فيه الكعب العالى إنما جميعها من معالم حالة طارئة من سعادة حلت بفتاة لم يسبق لها أن مارست حالة مماثلة طوال سنوات مراهقتها وأوائل سنين شبابها.
سألتنى أيضا إن كنت أستطيع أن أصف فى عبارة موجزة مشاعرى وقد رأيتها فائضة. استغربت تعبيرك فكان ردك أشد غرابة. قلت وقتها بالنص «أفهم أن تلتقى بشاب فى مثل عمرك واقع فى حبك منذ سنوات فتجدين نفسك تكادين تلقى بنفسك فى أحضانه قبل أن ينطق بحرف. ولكن ما أراه أمامى يتجاوز ما حاولت تلخيصه فى كلمات قليلة، أرى عيونا تحتضن رجلا لم أتعرف على تفاصيل وجهه وشفاها تتمتم باسم لم أتبينه بالوضوح الكافى..».
قاطعتك لأستكمل بنفسى ما بدأت أنت فى تخمينه عن رجل التقيته. قلت إننى لن أخيب خيالك الذى عرفناه دائما خصبا وفائرا. دعنى أضيف بكل تواضع إلى ما تفضلت عبارة فصلتها تفصيلا بينما كنت تحدثنى عن الزيادة فى طولى وعن عيون تحتضن رجلا وعن شفاه تلتهم، آسفة أقصد، تتمتم باسمه. أما العبارة التى نطقت بها فى وصف اللقاء الأول، فكانت «لقاء كارتطام الأجرام»، ما أن تلامست اليدان حتى وقع ما لن يفهمه أو يتوقعه غير المحبين. بل أرجو أن تسمح لى بمزيد من تجاوز فى لغة الخطاب مع إنسان يكتب عن الحب والمحبين وعن دخائلهم وحساسياتهم ومبالغاتهم وأحلامهم. أتجاوز فأقول إن هذه اللحظة، لحظة التقاء اليدين لأول مرة قد تكون اللحظة الفاصلة بين عمرين، عمر يسبقها وعمر آخر يتلوها. عندها تذوب فروقات الزمن، هل نحسب ما فات أم نكتفى بما هو آت عندها أيضا يسقط المنطق وتنصهر قوى المقاومة. عندها يولد الحب ويعيش رضيعا تهون من أجل سلامته وصحته صعاب الأيام وسهر الليالى. كم ضحينا فى حياتنا من أجل كبار وصغار يعنوننا فى كثير وقليل. كم ضحينا من أجل طموحات فى العمل ومن أجل أشياء ضرورية بأشياء تافهة. الآن وقد أصبح لدينا هذا الحب، هذا الرضيع الأول فى حياتى الذى كلفنا عديد التضحيات، لم يعد لدينا من التضحيات الفائضة ما يمكن أن نقدمه له ولغيره من عظائم الأمور.
• • •
تزوجنا ومرت سنوات ورضيعنا لا يكبر. غريب أمره أو غريب أمرنا. الزوج الذى ركع ذات يوم ليؤكد أنه أقسم أمام أهل الخير أن شيئا أو أمرا أيا كان لن يجعله يحيد عما انتواه من حياة يتوسطها الحب ولا يفرق بين طرفيها أحد أو ظرف، هذا الرجل وقد صار زوجا اكتشف لنفسه بعد سنوات معدودة أن الحب الذى ربطنا هو نفسه الذى يفرق بيننا. لم يبق اكتشافه سرا ولم يعتبره أمرا خاصا بنا وليس شأنا عاما ليهتم به كل الخلق.
رضيعنا الأوحد صار الفسحة والمبرر. الفسحة والمبرر فى آن ليمارس زوجى ما شاء له مزاجه أن يمارس، يمارسه بحرية وفى راحة نفسية ودون أن يضع فى حساباته وزنا لمزاجى ووقتى وجسدى المنهك بعد يوم عمل شاق. حجته الحق الممنوح له بالعقيدة والعادات والرغبات. استخدم الحق بمنطق حق الوحش فى فريسة وحق السلطان فى جاريته وحق رب البيت فى التهام القطعة الأفضل شكلا والأّذكى رائحة فى صحن المشويات على مائدة الغذاء. باسم هذا الرضيع، باسم هذا الحب، صار يتحكم فى ملبسى. إنها الغيرة يعترف بها بلا خجل. تعلمت وقت الطفولة والمراهقة، أن الغيرة ليست حكرا على النساء. حذرونى من الوقوع فى شراكها. قالوا عنها ما كنا نقرأه عن مصاصى الدماء. يشربون من دماء ضحاياهم حتى يسكرون ثم يتضورون فى الليل ألما وعذابا فأنيابهم لا تكف عن عض أى رقبة يسوقها حظها إلى طريقهم، طريق الآلام والشرور.
• • •
قضى زوجى وبطل قصتى وقصص أخريات كثيرات، قضى الشهور الأخيرة من عمر حبنا يستغل حبى له فى جهود متواصلة لإقناعى أن حقا من حقوقه كطرف ثان فى هذه العلاقة الرائعة أن يحكى لى كل ليلة وبالتفصيل الهادف المزود بالصور والأفلام التوثيقية والتسجيلات الصوتية حكايات لا تنتهى، لا تنتهى عددا ولا تنتهى إلا ليبدأ غيرها، حكايات عن غزواته فى ميدان معشر النساء. جربت حظى مع هذه اللعبة الجديدة فى ملاعبى، وهى الحافلة بالألعاب وجميعها بالتأكيد أنعم وأظرف وأرق من ألعابه التى راح يزجها كل ليلة على مسامعى لغاية لم أستشفها فى البداية. بعد شهور من ممارسة هذه المباراة تسرب الشك أنه يسعى لإثارة غيرتى. يحكى عنها مطمئنا إلى أن الحب سوف يزيد من قدرتى على التفهم ويمط فى سعة طاقتى التسامح والتقبل عندى لما هو قادم. لم أفهم إلا بعد وقت غير قصير أنه كان يسعى إلى كسر إرادتى بعد أن يكون قد نجح فى تفكيك أهم روابط علاقتنا وإرساء قواعد مختلفة لعلاقة جديدة تقوم بيننا. أراد، كما اتضح لى فيما بعد، أن يموت الرضيع. تخمد العواطف وتقوم الإرادة المشتركة المبنية على فهم مشترك لمصالح محددة مادية بشكل خاص ومنفعية بشكل عام. يعتمد نجاح المشروع من ناحيتى على ثراء شبكة علاقاتى الاجتماعية والسياسية ومن ناحيته على دهائه وتغلغل شبكة علاقاته فى المسالك التحتية وجماعات العنف فى المجتمع.
كسرنى هذا الرجل. انكرست لا لأننى ضعيفة أو أقل ذكاء أو لأننى ساذجة أو لأننى كغيرى من عامة النساء نجهل حقيقة جنس الرجال. أنا انكسرت لأننى استهنت بقوة الحب. كانت فى يدى وبين أضلعى عاطفة كالسحر لها قوة الصخر. سمحت له بأن يستغلها لصالح إرادته البشعة بدلا من أن أستعملها أنا لكشف أساليبه وطرده فى وقت مبكر من زواج أحلى أيامه كان يوم طلاقى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كسرني هذا الرجل كسرني هذا الرجل



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt