توقيت القاهرة المحلي 22:18:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مُرْبِكات اللحظة «الترامبية»

  مصر اليوم -

مُرْبِكات اللحظة «الترامبية»

بقلم: عبد المنعم سعيد

كان الأستاذ الدكتور محمود محيى الدين، الغنى عن التعريف فى الحياة السياسية والاقتصادية المصرية، هو الذى بصرنى باعتماد «المُرْبِكات» ترجمة للكلمة الإنجليزية Disruptions التى باتت ذائعة فى الأمور الاقتصادية والاجتماعية والفكرية العالمية. الكلمة موجودة فى قاموس اللغة منذ باتت شائعة للتواصل الفكرى؛ ولكنها باتت شبه مفروضة على النقاش العام فى الأمور الدولية والعالمية. الكلمة تعكس من ناحية حالة من الانقطاع عما سبق، والوصل مع حالة مستقبلية ليست معروفة؛ وبين ما سبق وما سوف يأتى تجرى تفاعلات كثيرة من السرعة بحيث يصعب رصدها وحصرها فى إطار من المعقولية، أى التى يستوعبها العقل الإنسانى فيصل إلى حالة الارتباك. الكلمة غزت عناوين المقالات والدراسات بشدة مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة الأمريكية ما بين ٢٠١٧ و٢٠٢١ فى فترته الرئاسية الأولى، وشحبت بعض الشىء بعد رحيله؛ ولكنها الآن تعود بعنفوان غير مسبوق. «الربكة» تأتى لأن الرجل أتى بالكثير من غير المسبوق فى الرئاسات الأمريكية السابقة؛ والآن فإنه يعود لفترة رئاسية أخرى مسلحا بذخائر متنوعة، والمؤكد فيها أنها شديدة الانفجار؛ والمؤكد أكثر أنها غير معلومة الزمن لا فى البداية ولا فى النهاية. الرجل وعد بالسلام أو بوقف الحرب فى الشرق الأوسط مع مناطق أخرى فى العالم أثناء حملته الانتخابية؛ وساهم فعليا فى تحقيق الهدنة الحالية بين إسرائيل وحماس؛ ولكنه بمجرد وقف إطلاق النار تقدم باقتراح تهجير الفلسطينيين فى غزة، أو مليون ونصف منهم، إلى الأردن ومصر. قال ترامب إن الاقتراح عرض فى مكالمة مع العاهل الأردنى وسوف يعرض فى اليوم التالى مع الرئيس المصرى. الأردن ومصر رفضتا المقترح، ولكن الثابت الآن أن تقديم الاقتراح للرئيس السيسى لم يحدث.

ظهور الاتصالات بهذا الشكل لا يلغى الادعاء بها، ولا النتائج التى ترتبت عليها من رفض مصرى أردنى قاطع؛ وما لا يقل أهمية هو خروج الشعب الفلسطينى فى غزة زحفا فى اتجاه مدينة غزة. المشهد الذى احتوى على قرابة ٣٠٠ ألف نسمة كان يشكل ملحمة تاريخية بكل المقاييس، وبدلا من التوجه إلى «الهجرة» فإنه ذهب فى اتجاه «العودة».

«أجراس العودة» كما غنت فيروز قبل عقود، قد قرعت بالفعل، وبينما تجرى فى ظل وقف إطلاق النار فإنها تمت بينما إطلاق النار يتصاعد فى الضفة الغربية حيث المواجهة الكبرى بين الفلسطينيين والجماعات اليهودية الأصولية والاستيطانية التى تنمرت كثيرا بعد مقترحات ترامب، وهو ما كانت تحلم به جماعات «سموتريتش» و«جافير» الوزراء والمبشرين الدينيين والمتحكمين إلى حد غير قليل فى بقاء الحكومة الإسرائيلية الحالية. «المشهد الفيروزى» للعودة أعاد إلى الأذهان العربية فكرة الإرادة الشعبية للعودة المباشرة والتى لم يعد لديها من الصبر منزع بعد سلسلة النكبات التى نقلت شعبا بأكمله من شمال القطاع إلى وسطه ثم إلى جنوبه؛ ولم يبق بعد ذلك إلا الخروج الذى لا عودة بعده كما تشهد تجارب سابقة لم يعد فيها الفلسطينيون من حيث ذهبوا.

المشهد الجديد الطازج كان مفارقا بشدة المشهد الافتتاحى السابق عندما نشبت الحرب الإسرائيلية الفلسطينية فى اليوم التالى لطوفان الأقصى الذى شنته حماس دون تفويض من الشعب الفلسطينى. واعتبارا من ٨ أكتوبر ٢٠٢٣، وفى غمرة اللحظة الانتقامية الثأرية نمت الأحلام الإسرائيلية المتعصبة بكثرة وشدة. الحلم الأول كان الإخراج الكامل للفلسطينيين من خلال ذعر الموت والدمار فى الداخل، والدفع إلى الخارج حيث توجد فرصة للحياة. المسجل لدى «بوب وودورد» فى كتابه عن «الحرب» أن «تونى بلينكن» وزير الخارجية الأمريكى سأل نتنياهو فور زيارته الأولى إلى إسرائيل عما سوف يفعل مع الفلسطينيين فى اليوم التالى، وجاءت الإجابة من نتنياهو أنه سوف يفتح ممرا ضيقا وآمنا فى اتجاه الحدود المصرية، وبعد ذلك فإن الطبيعة سوف تأخذ مسارها. الحلم الثانى كان عودة غزة إلى ما كانت عليه تحت الاحتلال الإسرائيلى حيث أمام إيقاعات «النكبة» الجديدة سوف تعود المستوطنات الإسرائيلية مرة أخرى إلى حيث كانت. الحلم الثالث أن الحرب التى بعد ذلك لم تشمل حماس فقط وإنما معها باقى المليشيات المقلقة فى علاقاتها الإيرانية مع باقى العرب لكى تمنع تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية. الأحلام دائما من أكثر «المْرْبِكات» إرباكا، وبعد خمسة عشر شهرا من قتال خسرت فيه حماس قطاع غزة كاملا، وسال فيه من الدماء ما يتجاوز ٤٧ ألفا، ومع الجرحى والتدمير فإن فصلا جديدا أضيف إلى صراع الشرق الأوسط التاريخى. لم تسلم إسرائيل من الخسارة فى الحرب عسكريا وبشريا واقتصاديا، وفى نظرتها لنفسها ونظرة العالم لها بما فيها الدول الغربية.

ولكن ورغم ذلك كله كانت هناك حزمة باقية من الأصول التى تصلح للبناء عليها بدءا من الهدنة القائمة وتفاصيلها التى تقود عبر مفاوضات ومراحل مقبلة إلى حل الدولتين للقضية الفلسطينية برمتها؛ وانتهائها ببقاء اتفاقيات السلام على حالها يضاف لها ولا يؤخذ منها. قدوم ترامب خلق حالة جديدة من الارتباك تخرج الأمور عن مسارها إلى اتجاه مضاد. فأثناء المفاوضات من أجل وقف إطلاق النار فى غزة هدد الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب بأنه ما لم تقم حماس بتسليم المحتجزين الإسرائيليين فإن الجحيم سوف ينصب فوق رؤوس غزة. فى أوقات أخرى كان تعليق ترامب على حرب غزة الخامسة أن إسرائيل دولة صغيرة المساحة وهو ما يعنى الحاجة إلى اتساعها. وفى كل الأحوال كان ترامب فخورا بأنه هو الذى دفع فى اتجاه «السلام الإبراهيمى» الذى بمقتضاه وقعت دول عربية- الإمارات والبحرين والسودان والمغرب- السلام مع إسرائيل. ورغم أن ذلك بدا كما لو كان مشروعه للسلام فى الشرق الأوسط بعد توسعته التطبيع السعودى الإسرائيلى؛ فإن مشروعه الآن بات توسعة إسرائيل ذاتها بمزيد من الضم الاستيطانى فى الضفة الغربية وقطاع غزة مع إضافة التوسعات الإسرائيلية الجديدة التى أحرزتها على هضبة الجولان وامتداداتها داخل الأراضى السورية وهى التى سبق لترامب أن أهداها إلى إسرائيل خلال فترته الرئاسية الأولى. آخر الخطوات أتت فى شكل حديثه عن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم إلى إندونيسيا تارة، وألبانيا تارة أخرى، ومصر والأردن تارة ثالثة، وهى لا تربك عملية السلام فقط، وإنما تجعلها مستحيلة.

الأمر هكذا من المربكات الترامبية الجديدة يتطلب تشاورا عربيا حول المسار الواجب اتخاذه فى هذه المرحلة الدقيقة ليس فقط فى الشرق الأوسط وإنما فى العالم كله. فالرجل- ترامب- لديه نظرة جديدة لعلاقات بلاده بدول العالم الأخرى تقوم على الفرض والضغط فى اتجاهات إمبريالية وتتجه إلى الدول العربية كما سوف تتوجه فى اتجاهات أخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مُرْبِكات اللحظة «الترامبية» مُرْبِكات اللحظة «الترامبية»



GMT 10:23 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

GMT 10:22 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

نعمة الإطفاء

GMT 10:20 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

موضع وموضوع: الرَّي والدة طهران

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

العالم في «كولوسيوم» روماني

GMT 10:18 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

فرصة إيران في النهوض الاقتصادي

GMT 10:16 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

GMT 10:15 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt