توقيت القاهرة المحلي 17:40:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مراجعات المالك والمستأجر!

  مصر اليوم -

مراجعات المالك والمستأجر

بقلم: عبد المنعم سعيد

كتبت كثيرًا عن ثلاثة قوانين لعبت دورًا تدميريًا للاقتصاد المصرى خلال العقود السبعة الماضية: قانون الإصلاح الزراعى الذى فتت الأرض الزراعية، وبعد أن كانت مصدرًا للثروة والعزوة باتت أساس الفقر والنزاعات؛ وقانون مجانية التعليم الذى انتهى إلى مدارس غائبة، وإذا وجدت فهى سناتر وباختصار أضاعت عقودًا تراكمت فيها المعارف العالمية؛ وقانون الثروة العقارية واختصارًا «المالك والمستأجر»، حيث كما هى العادة تنتهى إلى حالة مرضية تضيع مصدر التقدم فى الثروة والمعرفة وتجلب ما يقيد التنمية.

ما كان خطيرًا فى القوانين الثلاثة أنها جلبت لغة اقتصادية لا تختلف فقط جذريًا عن اللغة العالمية السارية فى التنافسية وإدارة الثروة؛ وإنما تحل محلها فلسفة كاملة لإدارة الفقر الذى يجعل احتمالات الرقى والرفعة مستحيلًا. فى الحالة التى نحن بصددها والخاصة بقضية العلاقة بين «المالك والمستأجر» فإن الأصل فى السكن فى معظم المناطق الحضرية فى العالم أنها تكون قائمة على الاستئجار لوحدة سكنية يمكن العيش فيها، ويراعى فيها القرب من خطوط المواصلات وهكذا تقام المدن.

فى مصر صدر فى الستينيات قانون للعقارات تحدثنا عنه مسبقًا، يقع خارج سوق الإسكان ويضع عليه قيودًا أدت إلى جعل الوحدة السكنية بمثابة منح الملكية التى تورث وليس الاستئجار الناجم عن عقد تكون فيها حقوق وواجبات.

القانون أدى فى النهاية إلى إفساد العلاقة بين المالك والمستأجر، وتدمير الاستثمار العقارى، والإطاحة بكل ما له علاقة بالثروة العقارية. القانون أيضًا أدى إلى أشكال من فساد «خلو الرجل» فى أوقات و«تسقيع» الوحدات السكنية فى أوقات أخرى؛ وفى أوقات ثالثة ومع تواجد ملايين المصريين خارج مصر إلى آلاف وملايين الشقق الخالية تراوحت فى الإحصائيات ما بين ١٠ و١٢ مليون وحدة سكنية. كلها كثرة من «رأسمال ميت» لا يُستثمر ولا ينتفع به ولا أحد يريد تحريره وإطلاقه إلى السوق العقارية لكى يزيد العرض على الطلب، أى فى الصالح الاقتصادى للمستأجر.

الطريف فى النقاش الدائر، وما يأتى به ما بات جماعات منظمة للمستأجرين، أن عقد الإيجار بات وسيلة ليس لإدارة العلاقة بين طرفين، وإنما لاقتسام الملكية الخاصة واستلابها إن أمكن. وفى وسط المشاعر الساخنة تبرز قضيتان: أولاهما ما الذى يفعله المستأجر، حيث قدرته الاقتصادية لا تسمح بتغيير الواقع دون تكلفة إضافية؛ وثانيتهما أن الدولة مسؤولة عن إبقاء الأمور على ما هى عليه.

مرة أخرى فإن معالجة هذا الواقع عالميًا يتم من خلال «الحماية الاجتماعية» التى لا تناصر المستأجر فقط للوحدة السكنية وإنما ترعاه أيضًا فى غذائه وصحته حتى يخرج من دائرة الفقر. وهنا تكون مسؤولية الدولة ليس التأكد من توزيع الفقر والحاجة بالتساوى، وإنما من خلال الضرائب وتوفير القدرات للاستثمار فى الثروة العقارية يكون ممكنًا حل معضلة المالك والمستأجر من خلال توفير العرض الذى يأتى من استثمارات جديدة.

الواقع المصرى الحالى هو أن مصر الدولة تؤكد طوال الوقت أنها بصدد تحرير الاقتصاد المصرى من القيود التى تعوق انطلاقته. وجزء كبير من هذا التحرير يهدف إلى تحرير العلاقة بين العرض والطلب وتحقيق التوازن بينها لصالح جميع الأطراف. التحرير هنا يطلق العنان لصيانة الثروة العقارية، وإطلاق الملايين من الوحدات العقارية المخزونة نتيجة قوانين الإيجار الجائرة والتى لا تشجع على الاستثمار العقارى اللهم إلا من خلال الوحدات العقارية الواسعة أو «الكمبوندات» التى تقوم بها شركات كبرى لديها من الحصافة أن تبنى بعقود أولية لا تجعل الشركة أو المالك مالكًا ساعة الاستئجار.

المسألة فى الأول والآخر هى أن الاقتصاد القومى المصرى كلٌّ متماسك يستند إلى قوانين الطبيعة الاقتصادية القائمة أولًا على المنافسة، وثانيًا على العرض والطلب. وللحق فإن الدولة بذلت جهدًا فائقًا فى مجال الإسكان أولًا لبناء ملايين الوحدات السكنية الاقتصادية للفقراء، ومثيلاتها الاجتماعية للطبقة المتوسطة والشريحة الدنيا منها.

وثانيًا أن مشروعاتها الكبرى ركزت على القضاء على العشوائيات وتحويلها إلى مناطق تنافسية بدورها طبقًا لقواعد التعويض أو مبادلة الوحدة السكنية القديمة بالأخرى الجديدة.

وثالثًا أن المدن الجديدة جميعها يتيح مناطق سكنية بأكملها لمن على استعداد للعيش وفقًا لعالم جديد. ورابعًا فإن توسيع الرقعة المأهولة بالسكان متاح إذا ما أدخلنا مواقع جديدة على البحيرات التى جرى إصلاحها مؤخرًا، وباتت فيها فرص استثنائية للعيش؛ وفى الجزر المصرية النيلية والبحرية التى تطلب جهود القطاع الخاص الذى تنفتح عليه فرص الاستثمار العقارى المصاحب لاستثمارات إنتاجية فى الزراعة والصيد والسياحة.

الدولة ليس أمامها أن تعمل فقط بصورة دورية على حل عقد الملاك والمستأجرين بنصوص قانونية تتعرض دائمًا لابتزاز حالة «الغلابة»؛ وإنما أمامها أن تهيئ الظروف التى لا تجعل هذه المعضلة المزمنة قائمة إلى الأبد.

ما يجب التفكير فيه دائمًا هو توفير الظروف التى توفر للاقتصاد المصرى فرص التقدم والانطلاق للتعامل مع الظروف التنافسية للاقتصاد العالمى. مرة أخرى فإن وظيفة الدولة هى إدارة الثروة، أما إدارة الفقر فهذه وظيفة أخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مراجعات المالك والمستأجر مراجعات المالك والمستأجر



GMT 10:23 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

GMT 10:22 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

نعمة الإطفاء

GMT 10:20 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

موضع وموضوع: الرَّي والدة طهران

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

العالم في «كولوسيوم» روماني

GMT 10:18 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

فرصة إيران في النهوض الاقتصادي

GMT 10:16 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

GMT 10:15 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt