توقيت القاهرة المحلي 23:30:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماكرون والصين.. هل هي صحوة أوروبية؟

  مصر اليوم -

ماكرون والصين هل هي صحوة أوروبية

بقلم - إميل أمين

لا تبدو زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة للصين، والتي دامت ثلاثة أيام مريحة لواشنطن سيما في ضوء التصريحات التي صدرت في نهايتها عن سيد الإليزيه، من حتمية العودة للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي عن الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي كعملة محورية ومرتكز اقتصادي عالمي من جهة ثانية.

يتساءل المراقبون للشأن الفرنسي خاصة، والأوروبي عامة: "هل نحن إزاء صحوة سياسية أوروبية، أم لعبة ومناورة دولية هدفها دفع الصين بعيدا عن الشراكة مع روسيا ، وإغراؤها بتحالفات وعلاقات أوروبية أكثر موثوقية ، وربما يكون الأمر بتنسيق ماورائي مع العم سام نفسه ، وكأنه لعبة "الغرير" الأمريكية الشهيرة؟
قبل الجواب ، ربما ينبغي التوقف قليلا أمام شأن العلاقات الصينية الأوروبية ، والعودة بعض الشيء إلى ما قبل تفشي فيروس كوفيد ، أو الفيروس الصيني ، على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
باختصار غير مخل نقول إن العلاقات من بكين إلى بقية العواصم الأوروبية بحلول العام 2018 كانت قد بلغت شأنا كبيرا جدا ، إلى درجة أن بعض الدول مثل فرنسا ، غضبت من الشراكات الإيطالية – الصينية ، والتي كان مقدرا لها أن تتجاوز الرباط العضوي بين أعضاء الاتحاد الأوربي أنفسهم.
غير أن ما جرى في زمن الفيروس الشائه وضبابية المشهد الصيني ، وما أدى إليه التقاعس الصيني ، والشمولية الداخلية لبكين التي تسببت في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات الأوربية ، كل هذا أحدث جفوة في المشاعر ، وكبوة في العلاقات ، الأمر الذي دعا الأوروبيين لتعطيل الكثير من المشروعات الصينية الأوروبية المشتركة .
ولعله من المثير القول إن الأوروبيين وقبل كوفيد ذهبت أفكارهم ورؤاهم في طريق الاستقلال عن الناتو ، وكان الرئيس الفرنسي ماكرون عينه ، من اقترح فكرة تكوين جيش أوروبي مستقل ، وقد رأى أنه حتى لو لم يكن بديلا بالمطلق عن الناتو ، فإنه في أضعف الأحوال ، سيكون كفيلا بأن يهيئ مساحة من حرية الحركة للأوربيين وبعيدا عن ضغوطات الأمريكيين.

غير أن كل ما تقدم تغير وتبدل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا ، وعادت أوروبا بأجمعها ، فرنسيين وألمان ، بريطانيين وطليان للانضواء تحت أجنحة الناتو ، لمواجهة القيصر الجامح ، سيما أن الخوف منه لم يتوقف عند ما جرى للأوكرانيين ، بل يخشى معه أن يمتد كذلك ليصل إلى دول أوروبية أخرى.
هنا تأتي تصريحات ماكرون لتشكل علامة استفهام غير مفهومة ، بل من الصعب استيعابها بحال من الأحوال ، لا سيما في ظل هذه الأوقات العصيبة التي يخطط فيها الروس لهجوم شامل ، لا يصد ولا يرد ، عرف في وسائل الإعلام باسم هجوم الربيع ، حيث يخطط سيد الكرملين ، لإنهاء الصراع مع الجارة الأوكرانية ، وفرض سيادته مرة وإلى ماشاء الله .
قبل الغوص في معاني ومباني تصريحات ماكرون ، ربما يتحتم القول إن الأوروبيين ، بصورة أو بأخرى، قد راقتهم خطة الصين لإنهاء الحرب الأوكرانية ، وهم يدركون أن التحالف الصيني الروسي، يتعمق ويشتد يوما تلو الآخر ، وأن بكين باتت قبلة مهمة جدا للتوجهات السياسية الروسية ، وعليه فإن حظوظها في تغيير دفة أحداث الحرب ، وصولا إلى التوصل لوقف إطلاق النار كبيرة للغاية .
يوما تلو الآخر يكتشف الأوروبيون أنهم أكثر من تضرر من الحرب الروسية الأوكرانية ، وأن واشنطن نجحت بالفعل في أن تضع عصا غليظة، بين دواليب أوروبا وروسيا ، ما أبطل مفاعيل الطرح الأوراسي ، ذاك الذي حلم به الرمز الفرنسي الأشهر شارل ديغول.

خسرت أوروبا اقتصاديا من جراء توقف الغاز الروسي ، وتضررت الحياة الاقتصادية بصورة بالغة ، والقادم غير مبشر ، وبخاصة بعد أن دفعت الأضرار الإقتصادية شرائح عدة من المجتمعات الأوربية ، للمضي قدما وراء شعارات اليمين المتشدد إلى حد المتطرف، ما جعل أوروبا تخسر الكثير من سلامها المجتمعي.

أتكون زيارة ماكرون إلى الصين ، وتصريحاته المثيرة للجدل ، خطوة حقيقية ، لمنع تكرار الانفصال عن السياقات الآسيوية، ولرفض تعكير صفو التواصل مع الصينيين العائدين بقوة حول العالم ، عبر نجاحات اقتصادية، ووساطات سياسية موفقة، بجانب ملء الكثير من مربعات النفوذ التي فرغت من جراء الكثير من الانسحابات الأمريكية في العقد الأخير؟

قد يكون ذلك واردا سيما في ظل رغبة ماكرون تكريس نفسه زعيما لأوروبا ، وهي رغبة لا يواريها أو يداريها ، لكن السؤال المهم هنا: "هل لدى ماكرون توكيل من بقية القوى الأوروبية الفاعلة والمهمة ، مثل المانيا ، قاطرة أووربا الاقتصادية ، أو بولندا التي تتقدم كل يوم لتضحى رقما صعبا على الخارطة الأوروبية، بجانب بريطانيا القوة العسكرية الأوروبية المتقدمة ، والحليف المستمر والمستقر لواشنطن"؟.
فارق كبير بين رؤية ماكرون للانسلاخ عن الولايات المتحدة الأمريكية، والشراكة مع الجانب الآخر من الأطلسي، في هذا التوقيت، وما ذهب إليه شارل ديغول في الأوقات والأزمات السياسية الصعبة ، في ستينات وسبعينات القرن الماضي ، حين ادلهمت الخطوب وحمى غضب المواجهات مع الإاتحاد السوفيتي ، إذ عزز الجنرال الذي حرر فرنسا في الحرب العالمية الثانية ، الشراكة مع الناتو برأس حربته الأمريكية .
هل هذا هو الوقت القيم الذي يمكن لأوروبا أن تنفصم فيه عرى علاقاتها مع الشريك الأمريكي ؟
الشاهد أن الجواب غامض حتى الساعة ، وربما يحتاج إلى بعض الوقت ، ليدرك الجانب الأوروبي قصد ومرام ماكرون ، وهل حديثه بالتحديد عن تقليل أوروبا اعتمادها على الدولار ، هدفه تعزيز علاقات بلاده الاقتصادية مع الصين ، سيما أن باريس تريد إحياء التبادل والحوار على كل المستويات مع الصين بعد انقطاع ناجم عن القيود الصارمة جدا التي فرضتها بكين في إطار مكافحتها وباء كوفيد-19 .
ربما لن نعرف ردات الفعل الأمريكية على تصريحات ماكرون في القريب العاجل ، ذلك أن واشنطن منشغلة جدا في أزمة الوثائق الخطيرة المسربة من البنتاغون .
لكن وفي كل الأحوال، سوف تبقى قضية العلاقات الأوروبية الأمريكية أمام اختبار مثير ، سيما بعد الكشف عن قيام واشنطن بالتجسس على حلفائها ومنهم الكثير من الأوربيين ...
هل سيضحى ماكرون بالفعل رجل أوروبا القوي وصاحب صحوتها في مواجهة الحليف الأمريكي التقليدي؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماكرون والصين هل هي صحوة أوروبية ماكرون والصين هل هي صحوة أوروبية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt