توقيت القاهرة المحلي 18:16:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإيمان والمستقبل...الدين وبناء السلام

  مصر اليوم -

الإيمان والمستقبلالدين وبناء السلام

بقلم:إميل أمين

هل بات العالم وعن حق في حاجة ماسة لتعميق الجذور الإيمانية التي تحث على السير في دروب الحوار والجوار، وتبادل المنفعة بين الناس، ما يوفر أجواء السلام، ويباعد أشباح الكراهية والخصام؟

المؤكد أن الناظر للخريطة الأممية، يدرك كيف أن حالة انفلاش العنف والحروب، قد باتت تهديداً رئيساً بالفعل لحياة البشر على كوكب الأرض، والذي يئن بدوره من أفعال البشرية.

في هذا السياق شهدت العاصمة النمساوية فيينا أوائل يونيو (حزيران) الجاري فعالية عالية الأهمية، حول «الإيمان والمستقبل... دور الدين في بناء السلام والدبلوماسية والتماسك الاجتماعي»، وذلك تحت مظلة مؤتمر «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا».

هل أوروبا تستشعر حقاً أزمة غياب الحضور الديني وأهميته، ولا سيما أن صدى الحرب الروسية– الأوكرانية، بنوع خاص يكاد يصم الآذان، ويهدد بما هو أشد هولاً في عموم القارة التي عرفت أوقاتاً من التسامح والتصالح مكَّنتها من العبور فوق الأزمات؟

من بين أهم الكلمات التي ألقيت في الفعالية، كلمة السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لـ«مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات» (كايسيد) والذي لفت الانتباه من جديد إلى أن الدين والروحانية يشكلان هويات ورؤى أكثر من 85 في المائة من سكان العالم، وتؤثر هذه التقاليد على السلوك الفردي ومرونة المجتمعات، والثقافة السياسية، والقيم المؤسسية عبر الحدود، وعلى الرغم من ذلك لا تزال الأصوات الدينية غالباً ما تُهمش في العمليات الدبلوماسية والحكومية.

السفير ريبيرو من جانب آخر لفت إلى أن تجاهل الدين هو تجاهل لأحد أكثر أبعاد الوجود الإنساني ديمومة وتأثيراً، مؤكداً على أنه في حين أن الدين نادراً ما يكون السبب الجذري للصراع، فإنه يستخدم غالباً لتبرير العنف أو تعميق الانقسامات الاجتماعية. ومع ذلك، عندما تنخرط الجهات الدينية الفاعلة في حوار مستدام وميسَّر -وهو أمر دأب «مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات» على ممارسته عالمياً منذ إنشائه- فإن العداء يفسح المجال لحوار تحويلي.

يحتاج عالمنا -حسب رؤية «كايسيد»- إلى الضيافة التي تتجاوز التسامح، ولا سيما أنها تدعونا إلى فتح المساحات العامة والدبلوماسية للأصوات المختلفة؛ بل وحتى المزعزعة للاستقرار. إنها تصر على الإنصات، حتى عندما يصعب سماع الكلمات.

والشاهد أن الفعالية هذه المشار إليها سلفاً، ربما تعيدنا إلى قراءة سابقة مهمة للغاية، كرس لها اللاهوتي السويسري الكبير الراحل هانز كونغ جل حياته، حين رفع شعاراً مفاده أنه «لا سلام بين الأمم... من غير سلام بين أتباع الأديان»، وأنه لن يوجد هذا السلام، ما دامت الدروب قد انسدت أمام الحوار بين المؤمنين من شتى الملل والنحل والطوائف.

ولعل القارئ الجيد لفكر هانز كونغ، يدرك تمام الإدراك أنه نظر للأديان على أنها سلسلة من التواصل الإيماني والأخلاقي -على اختلافها- وتعبير عن شرعية التدين عند الإنسان، كما أنها ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، وأن إيمان الإنسان برب واحد يفرض على الناس احترام البشر كلهم بوصفهم مخلوقات الله الذين استخلفهم على أرضه، وعاشوا سوياً تحت سمائه.

أحسن السفير ريبيرو كثيراً حين أشار في مداخلته إلى ما سمَّاه «البادرة القوية من القيادة الأخلاقية» للبابا لاون الرابع عشر، بابا الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، العضو المراقب في «كايسيد»، واستعداده لجعل الكرسي الرسولي مكاناً محايداً لإجراء محادثات مباشرة بين الأطراف المتنازعة، داعياً إلى «سلام منزوع السلاح»، وهذا دليل على كيف يمكن للدبلوماسية القائمة على الإيمان أن تشكل عمليات السلام على أعلى المستويات، ما يذكرنا جميعاً بأن الدين يتقدم للتوسط والإلهام والدعوة.

ولعل فضاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إنما كان -ولا يزال- تعبيراً عن رؤية لرجال «خيرين ومغيِّرين»، عملوا بصدق على نشوء وارتقاء «كايسيد» الذي قام عليه الراحل الكبير الملك عبد الله بن عبد العزيز -طيب الله ثراه- والبابا بندكتوس السادس عشر، عام 2007، وهو المركز الدولي الوحيد الذي تتشارك فيه الدول والقادة الدينيون، متساوين من دون تمايز أو محاصصة من أي ناحية، ما يجعل منه أبعد من رمزٍ للتعايش؛ بل يجعله موجهاً للعمليات أيضاً.

يضيق المسطح هنا عن مناقشة أعمال الفعالية وكلمة السفير ريبيرو، غير أن أفضل ما يمكن أن يقال عن مركز «كايسيد» في هذا المجال إنه بات «قوة أخلاقية مولِّدة للِّقاء والالتقاء»، في عالم لا يزال يؤمن فيه كثيرون بما قاله الفيلسوف الفرنسي الوجودي سارتر ذات مرة، من أن الآخرين هم الجحيم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإيمان والمستقبلالدين وبناء السلام الإيمان والمستقبلالدين وبناء السلام



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt