توقيت القاهرة المحلي 05:32:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مفكرة القرية: متمادي تخصيب

  مصر اليوم -

مفكرة القرية متمادي تخصيب

سمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

في المفكرة الماضية روينا لجنابكم، من دون الشكوى إلا لله، كيف تأخر علينا الشتاء هذا العام وتفاقم شح الأمطار، وكيف أننا واقفون على مسافة خاطفة من الجفاف. والجفاف رعب القرى وخلل الفصول وحركة الحياة. وعندما يطول الاختلال وتقسو الطبيعة يصلّي الناس ويتضرعون أنْ ربنا ارحمنا ولا تتركنا إلى غفلها، وهبْنا من لدنك نعمة الخصب.
ويقول ظريف القرية ومدوّن تواريخها إننا على الأرجح أكثرْنا من النق، بحيث تحركت جميع وسائل الشتاء مرة واحدة: صهاريج الأمطار، وشاحنات الثلج، وعربات الجليد، وكهرباء البرق ومدافع الرعد وجيوش الزمهرير. ولا كلل. صف طويل من العواصف، ولا توقُّف. وسحب سوداء كثيفة مثقلة بنفسها، ترمي غيومها وتحمل أخرى، وتحجب الشمس والضوء وبهجات النهار. وتمد عتم الليل من الصبح. وتبلبل مواعيد الغروب وتخلط مواعيد الحياة.
وكلما حاولت فتح النافذة بحثاً عن لمحة من الصحو، لفحتني رياح الغضب مهددةً بالمزيد والأقسى. نسيَنا الشتاءُ طويلاً ثم تذكَّرَنا مرة واحدة. وامتلأت به الدروب وسدّ علينا الطرق وحوّل كل حفرة إلى بحيرة وكل منحنى إلى شلال وكل شجرة إلى صوت ساحرة في نعيق وخوف.
لكن خلف الجدران وحول المواقد تُحوّل الناس الخوف إلى صلابة، والفزع إلى جمود. والبيوت التي كنت تخشى أن يزعزع السيل أسسها، تصمد، وتتمسك بالأرض، عاصفةً بعد أخرى وهديراً في أثر هدير. ولا شك أن ظريف القرية ومعه أهل الورع يطلبون الرحمة والرأفة في أنهم لم يكونوا يطلبون كل هذا الفيضان من المطر والعصف وقوافل الثلج ومستوطنات الجليد التي لا تني تلمع صقيعاً ولؤلؤاً كاذباً.
كان الخوف من ألاّ يطل، وصار الرعب أن يطول. وكان الخوف من ألا يهل، فصار من ألا يغيب. وإذا ما تمادى هكذا وأصرّ، فسوف يبيد الزرع ويقتل البراعم في الشجر وينشر اليباس ولا يعيش له اخضرار سوى البري والشوكي وكثير الشوك من النبات.
يتذمر أهالي القرى، لكنهم يخافون من خطيئة التذمر، فيستدركون. ولقد تضرعوا طويلاً من أجل شيء من المطر، فماذا يفعلون في هذا المأزق الآن؟ يصلّون من أجل شيء من الجفاف؟ ثمة أعوام متفلتة وهذا منها. شذوذ يعلّمنا أهمية القاعدة. جنون يعلّمنا أهمية التعقل. وطارئ يعلّمنا أهمية التحسب.
وفوق كل شيء، درس الجماعة وأن الله معها. ففي هذا الحصار المطبق والطويل، لا يعود في إمكان الفرد منفرداً أن يفعل أي شيء. تصبح القرية يداً واحدة في جرف الثلوج وفي تنظيف القنوات، وفي إقامة السدود الصغيرة بالحجارة. تحت الأمطار الهاطلة وفي صقيع لئيم، يجتمعون إلى فرقة واحدة تخفف من أضرار الطوفان والهبوب الكاسر. ومن بعيد يأتي حزيناً ويائساً ومستجدياً، صوتُ عواء الثعالب الجائعة وأطفالها. ويتردد صدى العواء في الوديان. لقد طال الشتاء على الناس والحيوان والنبات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مفكرة القرية متمادي تخصيب مفكرة القرية متمادي تخصيب



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم
  مصر اليوم - نتنياهو يعلن وقف إطلاق النار استجابة لطلب ترامب

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ياسمين صبري تتألق بإطلالات كاجوال ورياضية أنيقة

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:10 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ميتسوبيشي تكشف عن موعد طرح الأسطورة "باجيرو 2026"

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 21:29 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

إيلون ماسك ينفي علمه بتوليد صور عارية لقاصرين عبر غروك

GMT 17:55 2025 الثلاثاء ,10 حزيران / يونيو

محمد النني لاعب الشهر فى الدوري الإماراتي

GMT 14:43 2017 الأربعاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

الإسماعيلي يطلب الحداد أمام سموحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt