توقيت القاهرة المحلي 05:53:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عبودية الحريّة

  مصر اليوم -

عبودية الحريّة

بقلم - سمير عطا الله

من بين جميع «المهن الحرة»، اخترت أكثرها حرية. مهنة لا تلتزم دواماً، ولا تفرض حضوراً، ولا تحدد عطلة، ولا تلزم صاحبها بمكان محدد أو موضوع محدد، أو فكر محدد، هذا هو نهارك فتدبره، وهذا هو ليلك فتقاسمه. تنام حين تشاء وتقوم حين تشاء، وتقرأ وتكتب وتقبل وتعمل حين تريد.مع الوقت يتبين لك أنك اخترت من المهن الأقل حرية على الإطلاق. الوقت يأسرك والتوقيت يلزمك والدوام فرضك والنوم خوفك والعطلة عقاب وما الآلة التي تشكو منها سوى أنت. وأنت أكثر عبودية منها وأكثر حرصاً وأكثر دقة.

لا مهنة في الحياة مهنة حرة. كل مهنة تحول نفسها إلى نظام، وتقسم نفسها إلى دوائر تخضع لسيد واحد اسمه الوقت. سمّه الثامنة صباحاً أو الثامنة مساء أو بعد ظهر الاثنين، وكلما خيّل إليك أنك حرّ فيه تبين لك أنك أسيره منذ الأزل، وستبقى. وما كنت تعتبره «حرية» كان في الحقيقة مضاعة وبعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم.
«المهنة الحرة» كذبة نقابية اخترعها أناس لا عمل لديهم. أكثر الناس عملاً وجداً وقلقاً ورعباً من الوقت، رجال مثل بيل غيتس وجيف بيزوس، والبرتو سليم إلخ... لأنهم أخبر الناس بمعنى الوقت. أحدهم قد يكدس ملياراً في لحظة وقد يخسر مليارين في لحظة. والوحدة النقدية هنا كقياس لا معنى لها إلا كوحدة قياسية، أما في الجوهر، فجميع السادة المذكورين أعلاه، وعلى لائحة «فوربس» السنوية يملكون أعداداً أسطورية من الثروات ويتملكهم شيء مشابه في الأمكنة والأزمنة والعقول، وله اسم واحد وتنويعات كثيرة، الوقت. ولك مطلق الحرية في تمضيته وتقسيمه وتسمية أجزائه ووضع ألف دراسة علمية عن الفارق بين «الضبط» و«الدقة». ونحيلها على لجنة الوقت.
اكتشفت بعد كل هذه السنين أنني هربت من المسؤوليات الحرة إلى المسؤولية المستعبدة. بدل أن أداوم في مكتب 8 ساعات يلاحقني «دوامي» 18 ساعة. ولا ينتهي. وبدل أن تختار لي الجريدة «واجبي» عليّ أنا أن أبحث عنه. ويتقاسم رؤساء الأقسام والمديرون مسؤوليات عدة، لكن أخطرها مسؤوليتك أنت. أي مسؤوليتك عن نفسك. الطائرة التي تنقلك من قارة إلى قارة يصنعها رجال كثيرون وشركات عدة ويشرف على جمعها «واحد». هذا «الواحد» المؤلف من عشرة أو عشرين، له مهمة واحدة: ألا يكون هناك أي فارق بين القطعة والقطعة. فإن فارق سنتيمتر واحد قد يوقع كارثة كبرى، كما حدث غير مرة. غيَّر الخوارزمي في دنيانا بمعادلة بسيطة، يمكن اختصارها بإلغاء «تقريباً». كل شعرة في الحياة لها وظيفتها. كل بناء له زاوية. كل رقم له حساب. لا تحوير إلا في الشعر وضمن شروط وأوزان وفاعل فاعل مفعول لأن «زودينا من حسن وجهك ما دام / فحسن الوجوه حال تحول».
ولا أريد أن أمضي أبعد من ذلك في استعادة ملك الشعر العربي، لئلا يعتبر تطاولاً على «رسالة» سفيرنا وزميلنا تركي الدخيل في العودة إلى أبي الطيب كلما مرّ بشاعر أو أديب أو قصيد أو معيد. وهل من عدل في المقارنات بين الشعراء وبين خاتمتهم؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عبودية الحريّة عبودية الحريّة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم
  مصر اليوم - نتنياهو يعلن وقف إطلاق النار استجابة لطلب ترامب

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ياسمين صبري تتألق بإطلالات كاجوال ورياضية أنيقة

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:10 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ميتسوبيشي تكشف عن موعد طرح الأسطورة "باجيرو 2026"

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 21:29 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

إيلون ماسك ينفي علمه بتوليد صور عارية لقاصرين عبر غروك

GMT 17:55 2025 الثلاثاء ,10 حزيران / يونيو

محمد النني لاعب الشهر فى الدوري الإماراتي

GMT 14:43 2017 الأربعاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

الإسماعيلي يطلب الحداد أمام سموحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt