توقيت القاهرة المحلي 06:47:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السيدة الحكيمة و«الفالح»

  مصر اليوم -

السيدة الحكيمة و«الفالح»

بقلم - د. محمود خليل

زجرتنى ذات مرة قائلة: «انت فاكر نفسك هتصلح الكون يا فالح؟».. رد الفالح: «ولمَ لا؟».. ردت: «وليه أيوة؟.. الكون على كده من ساعة ربنا ما نشاه.. وما يقدر على القدرة إلا ربنا».

شأنها شأن كل الأمهات والآباء من ذلك الجيل مثّل الواقع الذى يعيشون فيه «الكون بأكمله»، وكان أى سعى لإصلاح شىء فيه لا يعنى سوى محاولة بائسة لإصلاح الكون «اللى ميقدرش عليه غير اللى نشاه».

كانت أمى تقلق من شغفى بالقراءة، ومما أردده من أفكار بعد قراءة الكتب، وترى فى ذلك خطراً علىّ، وأن الإنسان يكفيه من الحياة الأفكار التى يمكن أن يعيش بها.. أما الأفكار الحالمة بإصلاح الكون الفاسد فلا يحملها إلا المخاطرون، ولن يصلوا فى النهاية إلى شىء.

لم تطمح إلى أن أحصل على شهادة تفوق «الدبلوم».. «دبلوم التجارة» على وجه التحديد كان منتهى عشمها، وهو فى النهاية شهادة -حتى ولو كانت متوسطة- مثل أى شهادة أخرى.

لم يكن الأمر تواضعاً فى الطموح، فقد كانت أمى من النوع الطموح للغاية، أو انقطاع عشم فى أن ألحق بالجامعة، فقد أدركت من تفوقى الملحوظ أننى قادر على تحقيق الكثير.. كانت الحانية مسوقة بالخوف والإشفاق عليّ من أى مخاطرة من أى نوع، وتخشى أن أمتهن مهنة ترهقنى جسدياً، وكانت تحلم لى بوظيفة مكتبية، والوظائف المكتبية متاحة لخريجى دبلوم التجارة.. كذلك تصورت الأمر.

أى شهادة والسلام.. ويا ريت تكون دبلوم تجارة!.. ظلت أمى طيلة طفولتى وصدر شبابى تحلم لى بذلك، رغم فرحها بتفوقى فى الثانوية ثم دخول الجامعة، ثم تفوقى فى الجامعة حتى عينت فيها بعد تخرجى.

عيناها كانتا تضيئان بالسعادة.. وحين كنت أتدلل عليها بنجاحى، تزجرنى قائلة: «اوعى تنسى إن أنا اللى عملتك بنى آدم.. كل حتة فيك من تعبى وشقايا».. وحين كنت أغيظها وأشير إلى أبى الناظر إليها بعينى صقر وأسألها: «يعنى الريس اللى قاعد ده معملش حاجة؟»، كانت تنسحب خوفاً منه، لكن الخوف لا يهز إيمان مؤمن، وقد كنا جميعاً نخشى هذا الرجل بقدر ما نحبه.

يوم مناقشة رسالة الدكتوراه صحبتنى أمى إلى الجامعة.. للمرة الأولى تطأ قدماها الحرم.. كنت أجلس إلى جوارها فى سيارة أحد الأصدقاء قبل أن نصعد معاً إلى المدرج، حيث المعمعمة، وقد كانت المناقشة حينها معركة علمية حقيقية وليست احتفالية زائفة تشيع العلم إلى حيث أفضى. المهم.. ملت على أمى وسألتها: «فاكرة لما كنتى بتقولى آخد دبلوم تجارة.. شهادة والسلام؟».. ضحكت.. فأردفت: «ها أنا ذا معك لأحمل لك شهادة الدكتوراه».

ربتت على كتفى وهنأتنى ودعت لى.. لم أكن أعلم حينها أن دعواتها تلك هى أعظم شهادة نلتها فى حياتى.. إنها الشهادة التى لا تفوقها شهادة.. سوى الشهادة بالوحدانية للخالق العظيم.

هذه بعض حكاياتى مع أمى أظلتها سحائب الرحمة والغفران.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السيدة الحكيمة و«الفالح» السيدة الحكيمة و«الفالح»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt