توقيت القاهرة المحلي 00:13:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يكتب «الكادح» إلى ربه

  مصر اليوم -

يكتب «الكادح» إلى ربه

بقلم - د. محمود خليل

كان العجب والحيرة يأكلان "آدم الصغير"، وهو يسمع كلام جده "آدم الكبير". لم يعرفه إلا من خلال الصورة التي وضعها الأب في درج مكتبه.

كان أكثر ما يلفت نظر الشاب إليه نظرته الوادعة وقسمات وجهه التي تفيض بالرضا.. دارت رأسه فجأة فأحس بأن جده اختفى.. شعر بضيق في التنفس.. فإذا بصوت أمه يعاتبه على الإفراط في التدخين.. تنهد بعمق فوجد جده لم يزل واقفاً أمامه باسماً فبادله الابتسام ثم قال له:- الشاب: كلامك يا جدي يشبه الألغاز.. وانا من جيل يريد كلاماً يمشي على الأرض وليس يطير في السماء.. ماذا تعني بـ:بين بين؟.- الشيخ: سأشرح لك بالطريقة التي تحبها.أشار الجد بإصبعه فظهرت شاشة أشبه بشاشة الموبايل. فجأة ظهر فيها شخص شاب وجهه أبيض يميل إلى الحمرة، يرتدي جلباباً وطربوشاً قصيراً، يشبه الطرابيش التي يرتديها المغاربة كما رآها في بعض الأفلام.. يظهر الشاب بين مجموعة من الأجانب يتحدث معهم بالفرنسية بطلاقة.. سأل آدم الصغير:- الشاب: من هذا يا جدي؟.- الشيخ: إنه جدي أنا حسن الترجمان.. أصل وجودنا العائلي.. جدك "الترجمان" مغربي الأصل كان يصحب أباه في الحج عام 1791.. وبعد ان أدى الاثنان الفريضة عادا إلى المحروسة، حيث مرض الأب، ومات، وشاء الله أن يحتضنه تراب القاهرة.. كان العام عام وباء.. وكان الطاعون يحصد الأرواح ويلعب بالأجساد كما شاء.. أنظر:"القاهرة عام 1791.. الناس تسير في الشوارع حائرة.. يرتدون جلابيب بسيطة تنطق بالبؤس.. الوجوه قلقة.. والأعين غائرة من فرط التعب والإجهاد.. مجموعة تسير في جنازة حتى تصل إلى المسجد.. يصرخ فيهم رجل واقف على باب المسجد ويطلب منهم الانتظار لحين الانتهاء من الصلاة على الجثث المتراصة داخل المسجد.. يظهر أحد الاهالي وهو يسقط فجأة على الأرض.. والناس تجري بعيداً عنه وهم يرددون: "مطعون.. مطعون".. زحام يظهر على أحد بائعي الخبز.. تصرخ إمرأة "أريد بنصف فضة عيش".. يجرها أحد الرجال بعيداً ثم يقفز مكانها ويصرخ "بثلاثة أنصاف فضة عيش".يستطرد الجد قائلاً: كانت الناس تتقاتل على رغيف العيش.. بينما يقتلهم الطاعون.. وينهش أجسادهم بلا شفقة.. الوباء والغلاء لا يعرفان الرحمة.. حسن الترجمان كان مستوراً، ويملك ثمن رغيف العيش والغموس وإيجار البيت، لكنه لم يكن يملك دفع الطاعون عن أبيه.. سقط الرجل الكبير مطعوناً في القاهرة، وأحس حسن أن الله تعالى شاء أن تكون النهاية فوق هذه الأرض.. "وما تدري نفس بأي أرض تموت".. كما أن الإنسان لا يدري مكان خبزه ورزقه.مات الأب فقرر حسن الترجمان أن ينسى الأرض التي جاء منها. قال لنفسه "المغرب لم تعد بلدي ولا أرضي.. بلدي وأرضي حيث ترقد عظام أبي".. ثم دفن أباه بأحد المقابر المجاور للسيدة نفيسة، واختار لنفسه مسكناً لا يبتعد عنها كثيراً. وبدأ يواجه أقداره في بر مصر.عمل في تجارة البخور والعطور التي كان يعمل بها والده في المغرب، لكن الرزق كان شحيحاً، لم يكن أغلب المحيطين بدكانه بإحدى العطفات المتفرعة من ميدان الرميلة يملكون ترف استعمال العطور.. وهم الذين لا يجدون ماء للاستحمام.. والبخور لا تحقق الربح الذي يقنع صاحبه.. ظلت الدنيا تصعد وتهبط بحسن على أرجوحتها سبع سنين لتبدأ فصول رحلته الحقيقية.إنها يا ولدي رحلة الحياة التي يكدح الإنسان فيها بحثاً عن الموت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يكتب «الكادح» إلى ربه يكتب «الكادح» إلى ربه



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt