توقيت القاهرة المحلي 03:33:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العقل «المُفلس»

  مصر اليوم -

العقل «المُفلس»

بقلم - د. محمود خليل

الثقافة مفهوم كبير، فهى كما تشمل المعارف والأفكار والتصورات التى يتبناها العقل عن الواقع وتفاعلاته، والتاريخ وحركته، والمستقبل وتوقعاته، تمتد أيضاً إلى الإبداع بشتى صوره، وتتمدد بعد ذلك إلى أسلوب الحياة «لايف ستايل» وتعابيره المعيشية التى تشمل الأزياء، وطقوس الحياة، والعادات والتقاليد، وغير ذلك. فى المجمل تستطيع أن تقول ببساطة إن الثقافة «فكر يحدد سلوك الفرد»، فسلوك كل فرد فى الحياة يعبر عن ثقافته.

وبمناسبة الحديث عن الثقافة كفكر قد يكون من المهم أن نسترجع ما كتبه الراحل يوسف إدريس فى كتابه «فكر الفقر وفقر الفكر» ونحن بصدد البحث فى أزمة الشعوب العربية. وهو الكتاب الذى تأسس على مقال كتبه «إدريس» تحت العنوان نفسه، ثم أردفه بعدة مقالات أخرى فى الموضوع ذاته، وجمعها بعد ذلك فى كتاب.

يقول «إدريس»: «إن الفقر ليس وضعاً اقتصادياً فقط، إنه وضع من أوضاع البشر، وضع عام، يتصرف فيه الإنسان بفقر، ويفكر بفقر، أفكار تؤدى إلى فقر أكثر واحتياج إلى الغير أكثر».

يريد الكاتب أن يقول إن الفقر ليس اقتصاداً وفقط، بل فقر فى الفكر أيضاً، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إن فقر الاقتصاد هو نتيجة لفقر الفكر. مجتمع مثل المجتمع اليابانى لا يملك الثروات التى تمتلكها مجتمعات أخرى، ورغم ذلك يحتل موقعاً أكثر تقدماً بين مجتمعات الأرض، فى المقابل هناك مجتمعات أخرى (عربية) حبتها الطبيعة بثروات طبيعية كبرى تدر عليها دخولاً هائلة، ومع ذلك لا يوجد لها ذكر بين المجتمعات المتقدمة، لأنها ببساطة تعانى من فقر الفكر.

الإنسان العربى بحاجة إلى إعادة صياغة لمفاهيمه حول الفقر، ويتفهم أن وجود المال فى اليد لا يعنى غنى إذا كان العقل فقيراً، وشحه فى أيدٍ أخرى لا يعنى فقراً لو كان العقل غنياً. لعلك تلاحظ أن المال داخل الواقع العربى يجرى أحياناً فى أيدى المفلسين فكرياً أكثر مما يجرى فى أيدى الأثرياء على هذا المستوى. انظر على سبيل المثال إلى هذا النجم أو ذاك من نجوم الفن أو الغناء وهو يباهى بممتلكاته من المشغولات الذهبية والسيارات والطائرات واستخلص حالة الفقر المدقع على مستوى الفكر.

مكمن العلة داخل المجتمعات العربية تتمثل فى الاحتفاء بالمفلسين فكرياً، فهم الأكثر شهرة على المستوى الجماهيرى، وهم الأكبر نفوذاً وتأثيراً فى المجال العام، وهم الأشد سطوة عندما يختلف معهم أحد، والسبب فى ذلك هو المجموع العربى الذى صنع منهم نجوماً رغم ما يعانونه من إفلاس فكرى. فالجمهور هو من يشهرهم وينجمهم ويدفع لهم ما يباهون به من مقتنيات، وما يملأ خزائنهم من أموال. والأخطر أن البعض يعتبرهم نموذجاً وقدوة جديرة بالاحتذاء، من خلال بلادة التقليد لهم فى أسلوب حياتهم، وقد حكيت لك أن الثقافة تعنى فى أحد مفاهيمها أسلوب الحياة «لايف ستايل»، أو عبر الحلم بأن يخرج من صلبه ولد أو بنت تكون مثل هذا النجم أو النجمة.

والنتيجة الطبيعية لفقر الفكر الذى تعانى منه العديد من المجتمعات العربية هو «فكر الفقر» الذى تجد تجلياته فيما تسمعه حولك من خلط فى المفاهيم، وارتباك فى الرؤى، واضطراب فى النظر إلى الذات وإلى الآخر، والأخطر من كل ذلك الأفكار البائسة والمشوشة التى تروج فى الواقع على المستويات الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.

حدثنى عن عدد الدقائق التى يقضيها العربى فى قراءة الكتب، أو عدد الكتب التى ينتجها العقل العربى سنوياً، أو مستوى الإبداع الفنى، أو معدلات الإنتاج الفكرى على أى مستوى من المستويات.. أى مستقبل يمكن أن يحلم به العربى وهو يفكر ويؤدى على هذا النحو؟ وأى تغيير يمكن أن تحدثه فى الواقع تلك العقول الفقيرة فكرياً؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العقل «المُفلس» العقل «المُفلس»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 02:29 2026 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

حساب البيت الأبيض على فيسبوك يشكر ترامب
  مصر اليوم - حساب البيت الأبيض على فيسبوك يشكر ترامب

GMT 23:16 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

نتنياهو يؤكد قرب سقوط النظام في إيران
  مصر اليوم - نتنياهو يؤكد قرب سقوط النظام في إيران

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt