توقيت القاهرة المحلي 17:18:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«النسخة المضروبة» من الحياة

  مصر اليوم -

«النسخة المضروبة» من الحياة

بقلم - د. محمود خليل

لماذا ظلت الأجيال المتعاقبة من المصريين تُردّد: «مايجيش من ناحية الغرب حاجة تسر القلب»؟ربما يكون هذا المثل الشعبى قد ولد فى أحضان الحملة الفرنسية، وتمدّدت ظلاله خلال العقود الطويلة التى احتل فيها الإنجليز مصر، وظل يتردّد طوال حلقات الصراع العربى - الإسرائيلى، بسبب دعم الغرب للاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين.

المفارقة تبدو حين تجد بعض من يرددون هذا المثل يحلمون بالرحيل إلى إحدى دول الغرب، والعمل أو العيش فيها، وتجد آخرين يحلمون بأن ينعم المواطن فى مجتمعاتنا بما ينعم به المواطن الغربى سياسياً واقتصادياً ومعيشياً وإنسانياً.

هذه المفارقة لها ما يُبرّرها، فالغرب بالنسبة للمصرى -أو الشرقى عموماً- يمثل أملاً يحلم بالوصول إلى نموذجه، كما يمثل تحدياً يحول دون ارتقاء معيشته. مشكلة الكثير من المصريين مع الغرب لا تتعلق فقط بسياسته القائمة على الكيل بمكيالين فى الكثير من المسائل والقضايا الحساسة التى تخص الشأن العربى، بل أيضاً فى النظر إلى المواطن العربى من منظورين اثنين لا ثالث لهما، الأول أن بلاده مصدر للمواد الخام، والثانى أن أهله مجرد سوق لشراء السلع التى ينتجها الغرب بعد تدوير الخام.

ولو أنك راجعت كتب التعليم بالمدارس المصرية بعد يوليو 1952، ستجد وصفاً معتمداً للحقبة الاستعمارية يقوم على هذه الفكرة: «الاستعمار يريدنا مصدراً للمواد الخام.. وسوقاً لترويج سلعه ومنتجاته».

الكثير من بسطاء المصريين يمكن أن يحدثوك بما يسمعونه عن احترام الإنسان فى الغرب، وما ينعم به من حقوق وخدمات ومعطيات حياة، لكنهم دائماً ما يبادرونك إلى القول إن الإنسان فى نظرهم هو الإنسان الغربى، أما العربى أو الشرقى فمجرد ظلال بالنسبة لهم، وهو فى أفضل الأحوال مجرد زبون، يروجون لديه سلعهم، بدءاً من زجاجة «الكوكاكولا»، وانتهاءً بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا.

وحين تبنت طبقة الحكم فى مصر السبعينات وما تلاها من عقود النموذج الغربى فى الاقتصاد، القائم على الانفتاح، وبدأت النخبة المتعلمة فى الغرب تتصدّر مشاهد صناعة القرار، لم يجد البعض فيها إلا محاولة إعادة إنتاج لمعادلة «الغرب (الشركة) والشرق (الزبون)» بنسخة محلية. وقد بدأت السلع تتكاثر خلال هذه الفترة بصورة أسالت لعاب بعض أفراد الكتلة الأكبر من بسطاء المصريين التى آمنت بفكرة «الأكل من طبق واحد» فأخذت تبحث عن شراء الفتات، الذى يلقى إليها من طبقة الحكم، والطبقة المتحلقة حولها فى شكل منتجات، تشمل الشقق السكنية التى تتوافر فيها الخدمات، والأجهزة الكهربائية، والسيارات، وغيرها من منتجات.لقد توافرت بعض الأموال فى يد طبقة الحرفيين، والعائدين من العمل فى دول الخليج أغرت طبقة المستفيدين والمستثمرين بسحبها من جيوبهم، عن طريق منتجات تحسّن من ظروف الحياة، أو بعبارة أخرى تناسب الطامحين من أفراد الكتلة الكبيرة من المصريين إلى حياة أفضل عن عيشة الغرف والشقق الصغيرة، محدودة الخدمات، والتى يتلاصق فيها البشر.

لم تكن الحياة التى يطمحون إليها تماثل بحال الحياة داخل «كانتونات» الطبقة المخملية، لكنها كانت أفضل حالاً من الحياة التى نشأوا فيها.لأول مرة بدأت الأيدى تتباعد عن الطبق الواحد، وبدأت بعض الذرات فى الانفصال عن الكتلة الكبيرة، بحثاً عن حياة جديدة تقترب من «حياة الأكابر»، ولو على سبيل النسخة المضروبة، أما الكثرة الغالبة من البسطاء فقد أصابها الامتعاض وهى ترى الحياة تضطرب، وكتلتها تتفكك، فلم يُسر قلبها مما جاء من الغرب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«النسخة المضروبة» من الحياة «النسخة المضروبة» من الحياة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt