توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أصوات «بلاستيك»

  مصر اليوم -

أصوات «بلاستيك»

بقلم - د. محمود خليل

مجموعة فريدة من الأصوات ظهرت على خريطة الاستماع للقرآن الكريم خلال النصف الأول من القرن العشرين، تميزت بالصوت العريض بمساحات مختلفة، مثلما يتسع النيل فى مواضع ويضيق فى أخرى عبر مساره الطويل الذى يقطعه فى مصر، بالصوت العميق عمق النهر الخالد، تماماً مثل النيل الذى اعتبر مصر محطة أخيرة يقر فيها ويستقر.

أغلب أصوات قراء القرآن الكريم خلال هذه الفترة كانت أميل إلى القرار منها إلى الجواب. والصوت القرار هو الصوت العميق الرزين الصلى الذى يخرج من الصدر لينقل المخبوء فى أخاديد القلب من مشاعر وأحاسيس.

استرجع على سبيل المثال صوت من تحب من مشايخ هذه الفترة، ستجد أنه أميل إلى العمق والرزانة والرنين المرتكز: الشيخ محمد رفعت، الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى، الشيخ على محمود، الشيخ محمد الصيفى، الشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ عبدالعظيم زاهر، واسترجع أيضاً أصوات من لحق بهم من مشاهير القراء، مثل محمد صديق المنشاوى، والشيخ عبدالعزيز على فرج، والشيخ منصور الشامى الدمنهورى، وسوف تجد أن هذه السمات حاضرة لديهم بدرجة أو بأخرى.

تلقف هؤلاء القراء المشاهير الموهبة «النيلية» التى حباهم الله بها، والقماشة العريضة التى تميزت بها أصواتهم، فشكل كل شيخ ثوباً متميزاً للقراءة، فريداً فى أدائه ومذاقه، شق لنفسه مساراً خاصاً به، تماماً مثلما يشق ماء النيل مساراته بأشكال وصور مختلفة عبر أرض المحروسة.

أصبح كل واحد منهم مدرسة فى التلاوة، فهذه مدرسة رفعت، وتلك مدرسة المنشاوى، أو مدرسة مصطفى إسماعيل، أو مدرسة عبدالباسط وهكذا. وظنى آن آخر صوت قرآنى تحقق لديه ذلك هو الشيخ محمد محمود الطبلاوى رحمه الله. فقد امتاز بالصوت العريض العميق القرار، وكانت له مدرسته الخاصة فى تلاوة آيات الذكر الحكيم.

ستسأل: ولماذا اختفت ظاهرة القراء المتميزين، أو القراء المدارس، خلال العقود الأخيرة، رغم أن النيل ما زال يجرى فى مصر؟. وهو سؤال فى محله ولا شك. وقد سبق وطُرح على الشيخ أبوالعينين شعيشع ذات يوم، أحد رواد تلاوة القرآن الكريم، فأجاب: المشايخ زمان كانوا يأكلون أكلاً حقيقياً، أما من أعقبهم فيأكلون «أكل بلاستيك».

مصدر الأكل والشرب بالنسبة للمصريين هو النيل، ويبدو أن شيئاً ما حدث، جعل ما ينبت منه حالياً لا يماثل ما كان ينبت منه زمان، وأفقد ماءه الزلال ما كان يتميز به من عذوبة.. إنه فيما يبدو التلوث.

التلوث حالة أصابت النهر الخالد، وانتقلت إلى الهواء الذى يتنفسه الناس، ثم استحالت إلى حالة من حالات التلوث السمعى العام، الذى لم يصب قراء القرآن الكريم وحدهم، بل ضرب فى العديد من الاتجاهات الأخرى، بما فى ذلك الغناء، والنصوص الدرامية، وحوارات الناس فى الشوارع.

لقد صارت أشياء عديدة فى حياتنا «بلاستيك» على حد تعبير الشيخ «شعيشع». ومع شيوع البلاستيك بدأت الأصوات الحقيقية فى التوارى والانزواء. لا يستطيع أحد أن يزعم أن مصر لا يوجد فيها أصوات موهوبة فى تلاوة الكتاب الكريم، تماثل المواهب التى عرفناها على هذا المستوى، وهذه الحقيقة تنطبق على كافة المجالات، لكن المشكلة أن المواهب الحقيقية لا تجد فرصة فى ظل حالة الصخب العام الذى أدى إلى تلوث الأذن.

أذكرك من جديد بالقاعدة التى تقول إن العملات الرديئة تطرد العملات الجيدة، ذلك ما يحكم العديد من الأسواق لدينا التى يطرد فيها الردىء الجيد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أصوات «بلاستيك» أصوات «بلاستيك»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt