توقيت القاهرة المحلي 19:43:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

علامات الطريق نحو المجهول

  مصر اليوم -

علامات الطريق نحو المجهول

بقلم - جميل مطر

علمونا فى المدارس ثم فى الجامعات ثم فى سنوات الممارسة العملية كما العلمية قراءة وتحليل علامات الطرق الموصلة إلى المستقبل. كنا نخطئ، وفى بعض الأحوال ومع مرور الوقت والاجتهاد كنا نصيب. أصبنا فى بعض محاولات استشراف مستقبل المراحل الانتقالية فى النظام الدولى، وهى بلا شك الأصعب فى الرؤية أو التخمين وأخطأنا فى أكثرها. نحن الآن، وأقصد البشرية فى وضعها الراهن، على أبواب مرحلة انتقالية تبدو من كثير من علامات الطريق المؤدية لها أنها ربما تكون من نوع المراحل الأشد غموضًا مقارنة بمراحل عديدة تابعناها فى كتب التاريخ وبخاصة فى القرون والسنوات الأخيرة.
• • •
قمت فى الأيام الأخيرة بتجميع عدد من هذه العلامات قابلتنى خلال محاولة استطلاعية لاستشراف مصيرنا كبشر فى عالم ينتقل من حال إلى حال جديد تماما وكأمة فى نظام إقليمى ينتقل بدوره وتحت أقصى درجات العنف والتآمر والتشدد الدينى أو القومى من حال إلى حال، نظام إقليمى ما يزال مجهولا لجمهرة الباحثين وما يزال عصيا على فهم وربما على إرادة جماعات صنع السياسة والقرار فى عالمنا العربى، أعرض فى السطور التالية، ودون ترتيب أولويات، بعضًا من هذه العلامات المحيرة والمثيرة للجدل وكثير من الغضب.
• • •
أولًا: شخص دونالد ترامب، بصفاته العديدة وبعضها خارق للمألوف، وبموقعه رئيسًا لدولة هى القطب الأقوى، وليس الأعظم، فى النظام الدولى بشكله الراهن. صفاته بلا شك عديدة واجتماعها فى شخص واحد صدفة مذهلة. من هذه الصفات ما يصنف تحت عنوان علل نفسية نوقشت وتناقش فى دور العلم وأجهزة الاستخبارات لن ندخل فى تفاصيلها باستثناء صفة النرجسية الشديدة والمتفاقمة، بسبب تقدم العمر ودورها فى صياغة متغيرات وصنع ظروف وأحوال تتعلق مباشرة بالحال الانتقالية. يحسن فى البداية التصريح بأن ترامب متغير فريد بين متغيرات فى جماعة تصنع السياسة وتتخذ القرار وتحوز على الحق المطلق فى إصدار قرار الحرب.
• • •
ثانيًا: مصير يتكرر لشعب أعزل، أقصد الشعب الفلسطينى القاطن غزة والضفة الغربية. يتعرض هذا الشعب لما سبق وتعرضت له أمة سكنت قارة أمريكا الشمالية قبل قرنين من عمليات تهجير بالحرب والتجويع والمطاردة من مكان إلى آخر حتى تحققت الإبادة. أبيدت القبائل واحدة بعد الأخرى وفى النهاية امتدت الإبادة إلى الأمة باستثناء أقلية أسكنتهم حكومة المستوطنين البيض فى «معازل» مغلقة. أعلم علم اليقين أن هذا المصير يعيش فى وعى كل فلسطينى يهدد استقراره وطموحاته ويبقى دافعًا قويًا له وأولاده وأحفاده من بعده للانتقام والمقاومة. نحن شهود على فشل كل المحاولات الراهنة لفرض شرط محو المقاومة من وعى الإنسان فى غزة والضفة فى إطار اتفاق سلام يعقد بين الاحتلال وهذه المقاومة.
• • •
ثالثًا: كان ظهور «كير ستارمر» على مسرح المرحلة الانتقالية للعب دور فى ساحة معبأة باليأس والخوف والغضب مفاجأة للكثيرين فى أوروبا ولترامب نفسه. ففى غياب لاعب فاعل فى أوروبا، وفى خضم حملة «إنكار» أمريكى لوجود أوروبا لاعبًا أساسيًا فى هذه المرحلة، وفى وقت اشتعال أزمات سياسية فى كل من فرنسا وألمانيا وجنوح كل من إيطاليا وإسبانيا إلى جانب المعارضين لأمريكا الترامبية وموقفها من قضية أوكرانيا، وفى ظل غضب عارم فى جميع دول البلطيق من أسلوب تعامل ترامب مع رئيس أوكرانيا واعتبار هذا الأسلوب فى التعامل درسًا موجهًا لكل الدول المتاخمة لروسيا وبخاصة بولندا، فى ظل هذه العوامل مجتمعة أظهر كير ستارمر رئيس وزراء المملكة المتحدة شجاعة فائقة فى محاولة لإنقاذ أوروبا. عرض الاستعداد لتعود بريطانيا لملء فراغ القوة فى الاتحاد الأوروبى رغم أن بلاده سبق وتمردت على عضويتها فى برامج تكامل أمنى وسياسى للقارة الأوروبية. كان ستارمر أول من تحرك لتخفيف الواقع الرهيب الذى خلفه اللقاء العاصف والحامل لكثير من المغزى والمعنى بين ترامب وزيلنسكى فى المكتب البيضاوى، مرة أخرى عادت بريطانيا، وليست فرنسا ولا ألمانيا ولا روسيا، لتلعب دور القوة الموازنة الذى مارسته خلال اهتزازات نظام توازن القوة فى القارة الأوروبية، هذه المرة راح ستارمر يطبق الدور فى نظام الحلف الغربى إن صح التعبير. أظن أنه انتبه إلى أن تطورًا غير مألوف فى نظام الحكم داخل الولايات المتحدة مسئول عن حال الحلف وأنه لا بد من التدخل بالسرعة الممكنة لإصلاح الخلل بتوحيد أوروبا لتتمكن من مواجهة القطب الأمريكى المتجاوز لكل الحدود الدبلوماسية والمتلاعب بمصائر وأوضاع حلفائه، مثلما يفعل مع أوكرانيا ومع مجموعة الدول العربية الحليفة ومع بنما وكندا والمكسيك. لاحظنا أن ستارمر تفادى دعوة دول البلطيق لمؤتمر القمة الأوروبية مراعاة لظروفها واحتمال رفضها الانصياع لبعض سياسات قد يفرضها ترامب ضمن تحالفه المتطور مع روسيا، إجراء تكرر فى دعوة عدد من الزعماء العرب لمؤتمر التنسيق لقمة القاهرة ولأسباب شبيهة.
• • •
رابعًا: لاحظنا أنه فى لحظة الغضب والخوف على مصيره الشخصى لجأ الرئيس زيلنسكى إلى الأملين الباقيين، وهما بترتيب ما فعل، الأول، لجأ إلى الصهيونية العالمية التى ينتمى لها بالدين والمجاهرة بدعم مبادئها التوسعية فى فلسطين والثانى إلى أوروبا وبالتحديد العنصر القادر فى تلك اللحظة، وهو بريطانيا، وحليف عضوى لأمريكا، إن ابتعد عنها فإلى غير بعيد وإن اختلف معها فلصالح تحالفهما.
• • •
خامسًا: مرة أخرى تتقدم تركيا باقتراح أن تتدخل لدى الأطراف المعنية داخل حلف الناتو لتقريب وجهات النظر وبخاصة المتعلقة بقضية الأمن الأوروبى، تتصور تركيا أنها بصفتها مالكة لثانى أكبر جيش فى الحلف بعد بولندا تصبح الأقدر على تجميع الآراء وقيادة الاتصالات الضرورية لتحقيق هدف إقامة قوة عسكرية أوروبية مستقلة نوعًا ما عن الولايات المتحدة. لا يخفى أن الأوروبيين مدركون أن هدف تركيا كان ولا يزال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وهو ما ترفضه أوروبا رغم المحاولات الدائبة من جانب أنقرة مستغلة الظرف الذى تراه مناسبًا.
• • •
سادسًا: مرة بعد أخرى يلاحظ مفكرون أوروبيون وأمريكيون أن أمريكا وروسيا صارتا تتشابهان فى أمور تتزايد بمرور الوقت. لم تعد الأيديولوجيا عامل افتراق واختلاف، استمرت سياسات الدولتين تتجه نحو التوسع فى السيطرة والهيمنة، زيادة مطردة فى اعتماد النخبة الحاكمة فى الدولتين على جماعة المطورين، أقصد المقاولين الكبار، وهى الجماعة التى صار لها دور معترف به فى صنع السياسات الداخلية والخارجية للبلدين وبلاد أخرى. أضف إلى ما سبق الميل المتزايد فى روسيا لاستخدام أساليب دكتاتورية فى الحكم والميل المتزايد فى أمريكا نحو استخدام أقل للأساليب الديمقراطية فى الحكم، وبطبيعة الحال تتأثر السياسات الخارجية بهذا الميل فى السياسات الداخلية كما اتضح مؤخرا فى تعامل إدارة الرئيس ترامب مع قضية فلسطين وتعامل روسيا مع أوكرانيا. اتضح أيضًا بشكل بارز فى الميل المتزايد لاستخدام أساليب استعمارية قديمة فى تعامل إحداهما مع قضية تهجير شعب غزة لإقامة ريفييرا سياحية ومع أوكرانيا للاستيلاء بالابتزاز على الثروة المعدنية لأوكرانيا، ولا تخفى على أحد المصلحة الروسية فى الهيمنة على ثروات أوكرانيا الزراعية والنفطية والمعدنية. كلاهما يطبقان استعمار رجل أبيض على رجل أبيض بعد أن كان مفهوم الاستعمار يرتبط فقط بهيمنة الرجل الأبيض على الإنسان الأسود.
• • •
ما أكثر علامات الطريق! اخترت بعضًا قليلًا منها وبقى الكثير فى انتظار مناسبات أخرى تفرز عند حدوثها أو فى أعقابها علامات جديدة أو تؤكد وتثبت علامات قائمة بالفعل. نبقى فى انتظار أحداث داخلية فى أمريكا أغلبها مرتبط بوجود عنصر غريب ومثير للجدل فى أداة الحكم، بل وفى قلبه وأقصد فى المكتب البيضاوى إلى جانب الرئيس وبعضها متعلق بتطور الأمور فى الشرق الأوسط وبخاصة استمرار إسرائيل فى انتزاع إقليم بعد إقليم أو أقلية بعد أقلية من وطنها الأم ووضعها تحت الحماية أو الاحتلال الصهيونى، واحتمالات رد فعل النظام الإقليمى العربى ابتداء من احتمال تكرار العجز المؤقت للنظام فى مواجهة كل حالة على حدة وانتهاء باحتمال انفراطه نهائيًا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

علامات الطريق نحو المجهول علامات الطريق نحو المجهول



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt