قال الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير صدر الأربعاء حول التهديدات التي يشكلها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية، إن أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، ووزيري الداخلية والخارجية كانوا أهدافاً لخمس محاولات اغتيال أُحبطت خلال العام الماضي.
وأوضح التقرير أن الرئيس أحمد الشرع استُهدف في محافظة حلب شمالاً، وهي الأكثر سكاناً في البلاد، وكذلك في محافظة درعا جنوباً، من قبل مجموعة تُعرف باسم "سرايا أنصار السنة"، وقيمها التقرير على أنها واجهة لتنظيم الدولة الإسلامية.
وأشار التقرير، الصادر عن الأمين العام أنطونيو غوتيريش وأعدّه مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، إلى أنه لم يورد تواريخ أو تفاصيل عن محاولات الاغتيال التي استهدفت الشرع أو وزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
وأضاف أن محاولات الاغتيال هذه تُعدّ دليلاً إضافياً على أن التنظيم المسلح لا يزال عازماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة، و"يستغل بشكل نشط الفراغات الأمنية وحالة عدم اليقين" في سوريا.
وذكر التقرير أن الشرع "قُدّر على أنه هدف رئيسي" لتنظيم الدولة الإسلامية، وأن المجموعة الواجهة وفرت للتنظيم ما يُعرف بالإنكار المعقول للمسؤولية، إضافةً إلى "تحسين قدرته العملياتية".
وكانت الجماعة الجهادية "سرايا أنصار السنة" قد أعلنت مسؤوليتها عن هجوم كنيسة مار إلياس في دمشق في 22 يونيو/حزيران، والذي أودى بحياة 25 شخصاً على الأقل، واصفةً إياه بأنه رد على "استفزازات مسيحية ضد السنة".
فمن هي هذه الجماعة الجهادية التي برز اسمها في الفترة الأخيرة؟
امتداد لـتنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية أم أداة استخباراتية؟
إنها مجموعة جهادية جديدة في سوريا تعهدت في الفترة الأخيرة بملاحقة أبناء الطائفة العلوية والشيعة والدروز. وأعلنت مسؤوليتها عن العديد من عمليات القتل، كما هددت بملاحقة من يُطلق عليهم اسم "فلول الأسد". لكنها أيضاً لم تُخفِ ازدراءها لحكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وإن لم تدعُ لمواجهته.
ولم تتضح بعد ارتباطاتُها بالحركات الجهادية الأخرى، لكن يبدو أنها تسير "على نهج تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية".
أعلنت الجماعة، التي تُطلق على نفسها اسم "سرايا أنصار السنة"، عن ظهورها في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي عبر حساب على تلغرام. وتضمنت رسائل الجماعة في البداية تهديدات للعلويين بغض النظر عن جنسهم وأعمارهم، كما قالت، إلا أنها خففت من حدة هذه التهديدات لاحقاً. ومع ذلك، فإن خطابها عموماً شديد العنف، وازدراؤها للشيعة يشبه إلى حد كبير خطاب تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية وأنصاره.
ومنذ ذلك الحين، واصلت الجماعة التحريض والتهديد، بالإضافة إلى تبنيها هجمات تستهدف في المقام الأول أفراد الطائفة العلوية؛ الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس السابق بشار الأسد ومن يوصفون بفلول نظامه، كما أعلنت هذه الجماعة مسؤوليتها عن هجمات على ما وصفتها بـ "أضرحة المشركين"، في إشارة لبعض المواقع الدينية الشيعية في سوريا.
وقد تناقل الإعلام على نطاق واسع إحدى الهجمات الرئيسية التي أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنها، وفيها قُتل عدد من العلويين في قرية أرزّة ذات الأغلبية الشيعية في محافظة حماة في الأول من فبراير/شباط الماضي. ونُسبت الحادثة إلى "مسلحين مجهولين"، أشارت التقارير إلى أنهم داهموا القرية ليلاً.
أعربت الجماعة أيضاً عن ازدرائها للحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع - القائد السابق لهيئة تحرير الشام - متهمةً إياها بـ"التساهل المفرط" لعفوها عن مسؤولين وموظفين حكوميين سابقين. وتدّعي الجماعة، مبررةً ذلك، أنها تولّت زمام الأمور للانتقام من العلويين والشيعة وموظفي نظام الأسد السابقين، ومنعهم من "إعادة تنظيم صفوفهم".
كما أعربت الجماعة الجديدة أيضاً عن ازدرائها الواضح للأقليات غير المسلمة، مثل المسيحيين. وبالرغم من أنها لم تُشر سابقاً إلى أنها ستستهدفهم، ما لم يدعموا أو يدافعوا عن أفراد الفئة الأولى، إلا أن التفجير الأخير في كنيسة مار إلياس كان بمثابة رسالة واضحة لهم.
يعتقد الكاتب والباحث المتابع للجماعات الإسلامية، حسام جزماتي، أنه بالإضافة لـ"البعد الشرعي" الذي تنم عنه رسائل التنظيم فإن هنالك أيضاً "بعداً سياسياً". ويتابع "هم كفّروا الحكم الحالي، وكفّروا قواته العسكرية والأمنية، ورغم ذلك لم يعلنوا عن رغبتهم بقتالهم الآن، بل قالوا قاتلوا لونكم من الكفار، أي الأقرب إليكم" - مشيراً إلى أن الحركة لم تستثنِ الكُرد التابعين لقوات سوريا الديمقراطية من القتال.
بدوره يعتقد ستيفن همفريز، المتخصص في الإعلام الجهادي في "بي بي سي" أن تركيز التنظيم تحديداً على العلويين والدروز قد يكون "استغلالاً لتخوّف السنة المتشددين السوريين تجاه هذه الأقليات"، ولا سيما في ظل "هيمنة العلويين على مؤسسات السلطة في عهد الأسد، وما يُنظر إليه على أنه تعاطف مع إسرائيل لدى الدروز" - على حد تعبيره.
"ذئاب منفردة"
ليس من الواضح حجم هذه القوة عسكرياً، سواء من حيث تعداد المقاتلين، وجنسياتهم، أو أنواع الأسلحة التي بحوزتهم أو مصادر التمويل. ويرجح جزماتي أنهم "بحدود العشرات، وربما لم يتجاوزوا المئة".
أما أيديولوجياً، فتتبنى الجماعة خطاباً "متشدداً وجهادياً،" بحسب همفريز. كما ألمحت الجماعة إلى تعاطف مع تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية . مع ذلك، يضيف همفريز، لا يزال جهاديون آخرون، "بمن فيهم مؤيدو تنظيم ما يعرف بداعش، متشككين بشأنها". وفي حين أن خطاب الجماعة وأيديولوجيتها المعلنة تتوافق مع الحركات الجهادية، إلا أنه لا يوجد دليل حتى الآن يربطها بأي جماعة جهادية قائمة أو يشير إلى تعاونها معها.
عرّفت الجماعة قائدها بأنه "أبو عائشة الشامي"، وهو اسم حركي يوحي بأنه سوري لكنها لم تُقدّم أي تفاصيل إضافية عن هويته أو خلفيته. كما لم يُلاحَظ ظهوره العلني. وفي حين زعمت الجماعة في 9 فبراير/شباط الماضي أنه أصدر رسالة صوتية، لم تُنشر على تلغرام سوى مقتطفات نصية منها. لكنّ اسماً آخر بدأ يبرز مؤخراً، وهو أبو فتح الشامي، الذي يصف نفسه بأنه أحد قياديي التنظيم، والمسؤول عن القسم الشرعي فيه.
تشبه الشعارات والعلم والرموز الدعائية التي تستخدمها "سرايا أنصار السنة" إلى حد كبير تلك التي تستخدمها الجماعات الجهادية. ورغم نشاطها على تلغرام، وتصريحاتها وادعاءاتها المتكررة، إلا أنها لم تحظَ إلا بقدر ضئيل جداً من الاهتمام في الأوساط الجهادية والإسلامية على الإنترنت، وهو ما يدل على شك الجهاديين بمدى مصداقية هذه الجماعة. واعتباراً من 27 مارس/آذار، أطلق التنظيم على ذراعه الإعلامية الرسمية اسم "العاديات".
وتدّعي الجماعة أنها شبكة "لامركزية" تعمل من خلال "ذئاب منفردة"، أي أفراد أو خلايا صغيرة ذات صلات محدودة ببعضها البعض، وليست لها قواعد مشتركة.
ومن اللافت للنظر أيضاً، أن بيانات وكتابات الجماعة تفتقر للمهنية التي عادة ما توجد في صياغة بيانات الجماعات الجهادية الأخرى.
وهنا يضيف جزماتي أنه من الواضح أنهم بعموم عناصرهم وقياداتهم القليلة "ليسوا من العلماء أو المدججين أيديولوجياً على مستوى اللغة"، قبل انضمام من يسمّي نفسه الدكتور أبو فتح الشامي، الذي يصفه جزماتي بأن "لغته الشرعية رصينة وواضحة ولديه أدلة من الفقه الإسلامي ومتمكن"، لكن يبدو أنه حالة "منفردة"، بحسب الباحث الذي يضيف "معظم عناصرهم محدودو التعليم، لغتهم بسيطة ومباشرة، وبياناتهم قصيرة جداً".
بحسب تقييم مينا اللامي، خبيرة بي بي سي في الجماعات المتشددة، فإن الجماعة تقوم بـ"التمسّح بتنظيم الدولة، وتحاول بشكل مبالغ فيه الترويج لقربها الفكري من التنظيم، وكذلك الترويج بطريقة مبالغة ومثيرة للشك لمدى تطرّف الجماعة (سرايا أنصار السنة) ونَفَسها الطائفي وعملياتها الطائفية، كأنها تسعى إلى تسريع إشعال صراع طائفي أو إثارة الذعر من هجمات جهادية محتملة".
الجهاديون "مشبوهون"
على الرغم من ادعاءاتها المتكررة بشن هجمات قاتلة ضد أهداف من الطائفة العلوية، بما فيها بعض أحداث الساحل، إلا أن المجموعة فشلت حتى الآن في جذب اهتمام أو دعم كبير من الجهاديين والإسلاميين المتشددين.
وأسفرت أحداث العنف في مارس/آذار الماضي في الساحل عن مقتل نحو 1614 مدنياً غالبيتهم الساحقة من الأقلية العلوية، بحسب ما نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأشارت تقارير حقوقية إلى تورط قوات حكومية وأخرى رديفة لها في المجازر التي وقعت بعد أن شنت قوات تابعة للنظام السابق هجوماً مباغتاً على عناصر القوات الأمنية الحكومية، وأدت إلى مقتل 250 عنصراً، بحسب مصادر رسمية.
وفي حين لم تعلن المجموعة مسؤوليتها عن عمليات قتل واسعة، يستبعد جزماتي أن تكون السرايا لديها القدرة على القيام بهجمات من هذا النوع في الوقت الراهن، مشيراً إلى أن إمكانياتها "لا تتجاوز عمليات صغيرة وأحداث قتل منفردة، لذلك لا يمكن لها أن تقوم بعمليات تمشيط أوسع والوصول لقرى وارتكاب مجازر كما حدث في الساحل".
وتدور شكوك حول مصداقية الجماعة، إذ يتكهن بعض الجهاديين بأن الجماعة قد تكون مرتبطة بجهات معادية للجهاديين، تحاول من خلالها الإيقاع بالجهاديين الحقيقيين، أو تشويه سمعتهم من خلال ربطهم بالهجمات على المدنيين والطائفة العلوية.
وفي حين يصعب التكهن بحقيقتهم ضمن المعطيات الحالية، إلا أن همفريز لا يستبعد ذلك، مشيراً إلى أن أحد أبرز مؤيدي تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية "أصدر عبر الإنترنت هذا التحذير نفسه بالضبط. لكنني لن أتكهن بشدة بهذا الأمر". كذلك تميل آراء أخرى إلى أنهم قد يكونون "أداة استخباراتية" بيد الحكومة السورية الحالية للتنصل من الاتهامات الموجهة لقواتها بارتكاب انتهاكات كبيرة، ولا سيما تلك المرتبطة بأحداث القتل الأخيرة في الساحل السوري.
لكن يشير همفريز مجدداً إلى أنه "من المبكر إصدار حكم قاطع بشأن هذا الأمر استناداً إلى المعطيات المتوفرة". غير أنه يضيف قائلاً : "من المثير للاهتمام أن الجماعة اتهمت في الأيام الأخيرة الحكومة السورية بإلقاء اللوم عليها (أنصار السنة) وعلى تنظيم ما يعرف بداعش في عمليات قتل الأقليات التي تورطت بها قوات أو أفراد محسوبون على الحكومة. وقالت جماعة أنصار السنة إن حكومة الشرع تفعل ذلك لتجنب الاتهامات الدولية بانتهاكات حقوق الإنسان".
بدورها، ترى الباحثة مينا اللامي أن حالة الفوضى في بعض المناطق السورية من جهة، ومحاولة استغلال بعض الأطراف المحلية أو الخارجية - سواء كانت متطرفة أو من أتباع النظام السابق - من جهة أخرى، "توفر بيئة مناسبة لظهور مجموعات كهذه وأفراد مُريبة وذات أجندات عادة ما تكون طائفية وتسعى الى تأجيج الصراع الداخلي".
لكنها تضيف، أن الشك في هذه التنظيمات الجديدة "يجب ألّا يجعلنا ننسى أن مجموعات جهادية متطرفة في سوريا حالياً ساخطة جداً على حكومة الشرع وتسعى إلى قلب الطاولة على الحكام الجدد بأي طريقة، والورقة الطائفية عادة ما تلجأ إليها".
قد يهمك أيضــــــــــــــا
غوتيريش «آخر شرايين الحياة» لسكان قطاع غزة على شفا الانهيار
أحمد الشرع يؤكد في ذكرى توليه الرئاسة توجه سوريا إلى مرحلة بناء جديدة
أرسل تعليقك