توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وتنوعت وسائل النقل بتنوع عصور عمرى

  مصر اليوم -

وتنوعت وسائل النقل بتنوع عصور عمرى

بقلم - جميل مطر

 ركبت الحمار فى إحدى زيارتى المبكرة لريف مصر وأنا بين الطفولة والمراهقة، ركبته لينقلنى من عزبة إلى عزبة أخرى. كنت أزامل فى مدرستى الابتدائية، كما فى الثانوية أطفالًا ثم مراهقين من عائلات مالكة لأراضى فى وسط وشمال الدلتا. دعيت مرارًا من جانب هؤلاء الأهل لقضاء بعض العطلات فى عزب يملكونها.

تنقلنا القطارات الكبيرة من القاهرة حتى أقرب مدينة، طنطا مثلًا، ومنها نستقل ما كان يعرف مجازا بقطار الدلتا، وهو عبارة عن صندوق خشبى كبير يمر بنا متثاقلا ومترنحا كالمخمور على بلدات صغيرة أو كبيرة، أو يتوقف عندها ليفرغ، أو ليجدد حمولته، من دواب وطيور وفلاحين وصناديق أو جوالات محشوة بحاصلات معدة للبيع فى أسواق تقام بانتظام فى بلدة وأخرى.

• • •

ننزل من «القطار - الصندوق»، المملوك لشركة بلجيكية وشركات أوروبية أخرى، فى أقرب بلدة من وجهتنا النهائية فى عزبة فلان الباشا أو المسئول الكبير. هناك عند نقطة اختار السائق التوقف عندها لاعتبار وحيد وهو أن توافقا حصل بين مستخدمى هذه الوسيلة للنقل على اعتبار هذه النقطة محطة يتوقف عندها السائق ليشرب الشاى ويأكل شيئا من أشياء يحملها معهم الركاب ويتسلون بقضمها وهم يتداولون فى أمور قراهم وحاجتهم من وراء زيارة البندر.

أمتار قليلة فصلت المحطة عن موقف الحمير لمن يزمع من الركاب استكمال رحلته فى أعماق الريف. حدث فى مرات معدودة أن وجدت فى انتظارى «كارتة» مخصصة أصلًا للباشا الكبير ونسائه ولا تأتى للمحطة إلا بأمره. ننزل من القطار الخشب ونمشى فى اتجاه الحمار، فالحمار، كما أدركت على مدى السنين،لا يأتى لأحد، إنما يذهب إليه من يحتاجه من بنى البشر. كنت قد أدركت أيضًا أن الحمار يختلف عن الجمل فى أنه لا يركع لراكب، وما على الراكب طفلًا كان أم فتيًا إلا أن يصعد أو يجتهد مع آخرين ليركبه. لاحظت أيضًا أن سائق الحمار، وقد يكون مالكه أو مؤجره، لا يحظى بالاحترام الذى يحظى به سائق قطار الدلتا ولا حتى سائق "كارتة" الباشا. الاثنان على كل حال، وأقصد الحمار وقطار الدلتا، يتماثلان فى أن كليهما لا يتوقف لعابر سبيل إنما يتعين على هذا العابر أن يحيد بمساره.

• • •

انتهت علاقتى بحمير الباشوات ولم تنته علاقتى بالحمّارين (بتشديد الميم)، بل تجددت وإن بصور شتى. مرات عديدة وقفت أمام حمار وبجانبه حمّاره (بتشديد الميم) وعلى ظهره، أعنى على ظهر الحمار، إبنى وبعد سنوات جلست على ظهره ابنتنا. حدث هذا خلال زياراتنا الروتينية كعائلة صغيرة إلى مطعم آندريا بالحرانية فى ريف مصر. ثم صارت تتباعد علاقتنا بحمير مصر كلما صدر التكليف لنا بالسفر أو اخترناه.


• • •

أتذكر أننى فور وصولى إلى الهند استعملت فى دلهى القديمة «الريكشو»، دراجة هوائية تجر راكبًا جالسًا فوق مقعد تظلله شمسية بالية. يقود الدراجة رجل بسروال هندى يركض على قدميه فى درجة حرارة تجاوزت الأربعين، استعملتها مجبرًا مرات فى مصيف مسورى لقضاء حاجة ضرورية لا ينفع فيها إلا الريكشو.

• • •

فى بكين عاصمة الصين كانت تجربتى الثالثة مع الدراجة الهوائية. لم أكن أنا الراكب بل زوجتى الحامل ونحن فى الطريق من الفندق إلى المستشفى قرب الفجر، كنت مثل قائد الريكشو أجرى على قدمين، هو حاف مثل "حمّار" الريف المصرى ومثل زميله فى دلهى القديمة، وأنا فى "شبشب" من نسيج القطن لزوم الاستخدام داخل غرفة النوم فى الفندق.

• • •


أحكى لأصدقائى دائما وبكل فخر أننى سبقتهم إلى التعرف على التوك توك، زينة شوارع القاهرة الخلفية والزاحف بعناد وشراسة لاحتلال شوارع أخرى وفى نيته الوصول منتصرا وكاسحا إلى قلب القاهرة الخديوية، غير مهتم فى الظاهر وحتى الآن على الأقل باستطلاع أحوال العمل فى شوارع العاصمة الجديدة وظروف احتمالات التسرب إليها.

• • •

تعارفنا، التوك توك وأنا، أحدنا على الآخر فى بومباى وكلكتا وبانجكوك وكولومبو وكراتشى قبل أن نعود فنلتقى لكن على البعد معظم الوقت فى القاهرة. شهادتى فيه مجروحة فقد شبهته قبل عشرات السنين بحكيم الريف فى الصين الذى دونه تستعصى الحياة على الفلاحين، وعلى وقتى كانوا بمئات الملايين.

• • •

غاب عن بالى أن أذكر أننى عشت عصر التعددية العظمى فى وسائل النقل إلى حد غير مسبوق فى تاريخ علاقة البشر بـ«العجلة» أو بـ«الدولاب» حسب اللهجة الشامية. صحيح اندثر، أو أتمنى أن يكون قد اندثر، الريكشو، أى «الدراجة - المقعد» الهوائية التى تعتمد على رجل يركض بها على قدميه وزبون يجلس على المقعد. عشت هذا العصر مع الريكشو بعد أن تقدم وصار سائقه يجلس على مقعد ويجر خلفه مقعدين براكبين فى وقت واحد، عشتهما وعشت معهما من على بر النهر منظر رجل يحمل رجلا آخر على كتفيه أو على مقعد أو على فراش خشبى خلال أداء فريضة حج الهندوس إلى نهر الجانجز. النهر المقدس الذى يستقى مياهه من ينابيع فى الجنة.


• • •

يحتل التوكتوك بسرعة انتشاره والحمار المنحسر عددًا ودورًا مكانهما المتميز فى قاعدة ما أطلق عليه مثلث وسائل النقل التى استخدمتها فى حياتى. مثلث تقف عند قمته طائرات البوينج الجامبو ذات الطابقين وطائرات الكونكورد التى عبرت بى المحيط الأطلسى فى ثلث الوقت الذى كانت تستهلكه الطائرات «العادية»، مثل السوبر كونستليشن التى أقلتنى من هونج كونج إلى القاهرة عبر بومباى ومن زيوريخ إلى ريو دى جانيرو وبيونس آيرس ومنهما إلى سانتياجو، وتنقلت بها فى صحبة الأستاذ هيكل فى بعض مهام صحفية فى أجواء دول العالم العربى.

• • •

بين قمة مثلث وسائل النقل وقاعدته ركبت وأنا فى سن المراهقة طائرة تدريب لأنزل منها ووالدى معى يمسك بيدى خشية أن أحاول الإفلات قبل أن نستقل الحنطور عائدين إلى بيتنا. تخرجت وعينت ملحقًا دبلوماسيًا وصدر أمر تكليفى بالالتحاق بسفارة مصر فى نيودلهى. أتذكر أن وزارة الخارجية خيرتنى بين أن أسافر بالجو أو بالبحر على باخرة ركاب إيطالية كانت بين «الأفخر والأشهر» على خطوط الملاحة العاملة بين أوروبا وآسيا. اخترت الجو ربما للهفة على الوصول بسرعة إلى مقر عملى أو ربما بسبب الاطمئنان الأقل لبحر شاهدت وقرأت عديد الروايات عن غدره.

• • •

لم يمنعنى نقص الاطمئنان هذا من ركوب باخرة نيلية فى طريق رحلتنا الكشفية ونحن طلبة إلى السودان. نمنا على سطح الباخرة وكان البرد قارسا فأشعلنا نارًا وجلسنا، أو قل نمنا، حولها حتى الصباح. كذلك لم يمنعنا هذا النقص فى الاطمئنان من اعتياد ركوبه فى شبابنا وسنوات مراهقتنا، نعبره فى عبارات صغيرة أو كبيرة وفى تاكسيات نهرية، ونتنقل فوقه فى بواخر ضخمة بين الأقصر وأسوان. سبقتنا إلى استخدامها أجاثا كريستى وسجلت رحلتها فى روايتها عن جريمة فوق سطح النيل. نعرف أيضا أن القدامى ركبوا النيل كما ركبوا البحرين الأحمر والأبيض قبل آلاف السنين.

• • •

ركبنا حافلات من كل الأنواع وفى أقسى الظروف. صعدنا سلسلة الجبل الأخضر فى ليبيا وكنت واحدًا من كثيرين لم يصعدوا قبلها فى حياتهم لأعلى من تل المقطم. انتقلنا بسيارات نقل دواب وجنود من الخرطوم إلى الأبيض عاصمة كردفان، ومن هناك صعدنا مع مرتفعات سلسلة جبال النوبا لقضاء أيام مع قبائلها.

• • •

مرت سنوات خمسة أو ستة قبل أن نستقل، أنا وزوجتى مع هنود كثيرين، حافلة متهالكة من صنع المستعمر الإنجليزى صعدت بنا نحو ارتفاعات ليست متواضعة فى مجموعة جبال الألب. وفى أفريقيا كنت ضمن مهمة رسمية زارت شمال تانزانيا وكانت فرصة لنجرب طريق الصعود نحو قمة كيليمانجارو الشهيرة بعد رحلة طويلة فى السهول بحافلة عمومية نقلتنا من دار السلام.

• • •

مرت سنين عدة على هذه الرحلة عدت بعدها إلى تحقيق حلم كثيرًا ما راودنى عندما كنت ملتحقًا بسفارتنا فى سانتياجو، وهو حلم صعود سلسلة الأنديز. هذه المرة كنت فى غرب شيلى أعمل بالبحث مع فريق ضم بعض أروع الباحثين فى العلوم السياسية. زرنا شقة بابلو نيرودا المطلة على المحيط وبعدها قررنا أن تكون عودتنا بطيئة عبر سلسلة لعلها بين أهم السلاسل التى شهدت عبور جيوش أوروبا ونزوح الملايين من الشعوب الأصلية. كانت رحلتنا، بسبب الضباب والسكون الطاغى، مرعبة.

• • •

توقفت عن الكتابة تعبًا أو تدللًا. ارتديت حذاء الخروج وتوجهت إلى ناحية سيارتى المتوقفة مثلى عن الحركة لعدة أيام. اقتربت منها لأكتشف أن أحد الإطارات "نائم"، صفة جرى العرف على إطلاقها على إطار على هذه الحال من الاعتلال. طلبت مساعدة من رجل الأمن. بعد دقائق سمعت ضجيجا فظيعا ومؤلما ظل يقترب حتى صار مصدره بيننا. ظهرت أمامى عربة شحن صغيرة تجرها دراجة بخارية ويقودها شاب نشيط قام بتغيير الإطار المعطوب بإطار صحيح. ودعانى إلى ركوب العربة مع الإطار المعطوب.

حاولت التهرب من الرحلة بالمراوغة وبغيرها وفشلت. بالفعل انتقلت إلى ورشة الإصلاح بوسيلة نقل بدائية الصوت والشكل مشت بنا وسط عاصفة من الاحتجاج والتأفف يقابلها من جانبى حرج لم أعهده مع أى وسيلة نقل أخرى استخدمتها على امتداد عصور عمرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وتنوعت وسائل النقل بتنوع عصور عمرى وتنوعت وسائل النقل بتنوع عصور عمرى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt