توقيت القاهرة المحلي 18:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى!!

  مصر اليوم -

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى

بقلم - الكاتب جميل مطر

أذكر نقاشًا دار قبل حوالى خمسة وأربعين عامًا مع الصديق غسان سلامة حول العنوان المناسب لكتابنا «النظام الإقليمى العربى». كان اختيارنا، على الدين هلال وأنا، عنوان «النظام القومى العربى» وهو الاختيار الذى أعرب غسان عن عدم اتساقه مع مخطوطة الكتاب باعتبار أنه، وأقصد العنوان، يعكس اتجاهًا غائيًا ولا يعبر عن المناقشة الموضوعية والواقعية التى تضمنها المحتوى ويفترض أن يعكسها عنوان الكتاب.
• • •
تصادف الأيام التى نعيشها الآن اشتعال قضيتين تحتلان موقع الأهمية فى قائمة انشغالات العالم. القضيتان هما قضية فلسطين وقضية أوكرانيا. يجمع بينهما أنهما أعادا إلى الأذهان وإلى ساحة العلاقات الدولية الأهمية الفائقة التى كانت تحتلها العقيدة عند مناقشة أسباب اشتعال نزاعات دولية كبرى وبخاصة الحروب العظمى. العقيدة فى الحالتين، أقصد حالة حرب روسيا وأوكرانيا وحالة حرب إسرائيل تدعمها أمريكا ضد الشعب الفلسطينى أينما وجد وكيفما وجد، هى القومية والتزام الأمم بها. الجدير بالملاحظة والتوقف عندها أنه فى الحالتين وقفت دولتان أعظم، كل منهما، ضد طرف أصغر حجما وأضعف قوة، وفى الحالتين ترتب على تفاوت القوة مقاومة عنيفة شبهها الطرف الروسى فى النزاع الأوكرانى الروسى بالنازية المتجددة وشبهها الطرف الصهيونى ــ الأمريكى فى القضية الفلسطينية بالإرهاب.
• • •
الدولتان الأعظم، فى الحالتين، تكذبان. وكذب الكبار فى السياسة الدولية كما فى الحياة العادية مسئولية فادحة. الحقيقة الصارخة هى أن الدولتين الأعظم فى الحالتين أيقظتا «جنى» القومية فى أوكرانيا وأوروبا من ورائها، وفى فلسطين والعالم العربى من ورائها.
إلا أن الظن يذهب بالبعض بيننا أحيانا إلى أن القومية العربية ربما أدت دورًا ونجحت ثم غابت، أو أنها أدت دورًا وفشلت ثم غابت. المهم أنها فى الحالتين غابت. ذهب بنا الظن نفسه إلى أن الصراعات بين القوميات الأوروبية التى تسببت فى إشعال عديد الحروب فى القارة بعد نشوب الثورة الفرنسية تقهقر دورها فى العلاقات الأوروبية تحت هيمنة العقيدة الماركسية اللينينية وهيمنة الاتحاد السوفييتى كقوة إمبراطورية فائقة القوة والنفوذ، وأنه مع انهيار الاتحاد السوفييتى وما صاحبه من سقوط مدو للعقيدة الماركسية التقط مثقفون أوروبيون خيط نظريات التكامل وآثارها الإيجابية فى مجالات الاستقرار والسلم والأمن الإقليمى والدولى. بفضل هذا الخيط راحوا ينسجون نظامًا أوروبيًا ينطلق من تجربة متواضعة بطلها مجموعة منتجى الحديد والصلب. كان الهدف إطلاق تجربة تكامل تشمل العدد الأكبر من دول أوروبا لتتعود على التعاون فيما بينها ثم التكامل وفى النهاية اعتناق فكرة «الأوروبيانية» لتحل تدريجيا محل الأفكار الوطنية «الضيقة» كالفكرة الإيطالية والفكرة الألمانية، وكلاهما كان سببًا وطرفًا فى اشتعال حرب عالمية ضروس أنهكت أوروبا حتى صارت صيدا سهلا للدولتين الأعظم.
• • •
فى بداية مشوارها أثمرت الصحوة القومية فى العالم العربى تحرير معظم الأقاليم العربية من الاستعمار الغربى المباشر وأثمرت فى بعض الدول المستقلة تجارب متفرقة نحو انطلاقة اقتصادية واجتماعية. إلا أنه بينما اختارت دول أوروبا لنهضتها إقامة نظام إقليمى تكاملى اختارت الدول العربية المستقلة، وبعضها مستقل شكلا وليس حقيقة، نظاما إقليميا يركز على دعائم انفصالية أو انعزالية فى جوهرها، اختارت نظاما يستبدل الدعوة إلى تكامل الدول الأعضاء بالدعوة إلى التنسيق بينها. حدث هذا بينما راح المعتدلون من القوميين العرب يدعون إلى نهضة تستند نظريا أو مؤقتا إلى أسس ودوافع قومية وليس بالضرورة عبر الاندماج. فى النهاية تحقق ما كان يخشاه التيار القومى نتيجة إصرار الدول العربية على رفض التكامل وإمعانها ممارسة النزاع على الحدود وتغذية النزعات الانفصالية والاعتماد على الأجنبى، إذ تكرست داخل عدد متزايد من الدول العربية نزعات انفصالية منها القبلى ومنها أيضا العرقى والطائفى.
• • •
عدنا نشهد وبكثرة مريعة أحداث اغتيال وتمرد فى عديد المواقع التى تسكنها أقليات من أى نوع. نشهدها بهذه الكثرة فى معظم بلاد المشرق العربى، فى لبنان وفى جولان سوريا المحتل من فترة والمحتل منه للتو، وفى غرب سوريا، وفى شمال العراق وغربه، وفى السودان باستمرارية صارت فريدة لعنفها وديمومتها منذ استقلال السودان. نشهدها فى ليبيا على أيدى ليبيين وبتشجيع من أتراك وأمريكان وفرنسيين وبعض العرب ولعله البعض نفسه اللاعب بفاعلية وسخاء فى السودان واليمن وسوريا وشرق إفريقيا.
• • •
لن ننكر أن النظام الإقليمى العربى نشأ ضعيفا، وبسبب ضعفه وتخلى اللاعبين العرب عن الالتزام بحدوده وحدودهم الدنيا واصل انحداره بدون توقف إلا ربما باستثناء فترة تراكم فيها الفائض المالى العربى ممتزجا بنشوة نصر عسكرى عربى فى حرب حقيقية ضد إسرائيل، وقتها نشطت متأرجحة الرغبة فى تنفيذ مشروعات ظاهرها تكاملى وباطنها إشباع بعض نهم الدول العربية غير المحظوظة ماديا.
• • •
فى الوقت نفسه فوجئنا بدخول إسرائيل لاعبًا غير معلن فى النظام الإقليمى العربى. بدخولها وبالتشجيع الأمريكى الذى دفعها إليه عبر حرب سيناء الثانية وبخاصة قرب نهايتها، صارت التحديات التى تواجه النظام الإقليمى ككل أكثر خطورة ووضوحًا. كان دخول إسرائيل فاعلا فى النظام من داخله ضربة قاصمة لعقيدة النظام التى كانت دائما عند حدها الأدنى فصارت بفضل «ثلاثية معاهدة كامب دافيد» تحت هذا الحد وفى حالات كثيرة أخرجت من الحساب كلية.
• • •
المهم فى الوضع الجديد أنه بغياب عقيدة النظام وبغياب دول عربية تمثل بسكانها أكثر من نصف سكان الأمة العربية تخلقت فى النظام العربى رخصة لدول لتنفذ بحرية سياسات ضارة ببقية الدول وشعوبها. كثيرة هى الحالات التى رصدت، وما زالت ترصد حتى فى يومنا هذا، تفضح مختلف جوانب هذا الوضع وعواقبه.
• • •
كان دخول إسرائيل إلى قلب التفاعلات العربية دافعا مضافا نحو تغيير حال توازن القوى داخل النظام. تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الحال الجديد لتوازن القوى السياسى داخل النظام جاء لصالح الإقليم الفرعى الخليجى دون الأقاليم الفرعية الأخرى. هذا الوضع شجع دولا كبرى على استغلاله لتنفيذ مآرب لها كثيرة. لاحظنا مثلا كيف فاجأ الرئيس ترامب العالم بقراره أن تكون الرياض مقرا لمفاوضات السلم حول قضية أوكرانيا بين روسيا وأمريكا مستبعدا فى الوقت نفسه النظام الإقليمى الأوروبى من المشاركة فى المفاوضات حول قضية هى الأهم بالنسبة لأمنه وسلمه ولدوره المستقبلى فى النظام الدولى.
• • •
مرة أخرى يتأكد أن النظام الدولى فى انحداره حرم الدول العربية من الاستفادة من حال التوازن الدولى المألوف لها منذ زمن الحرب الباردة وقبل أن يختل هذا الاختلال الفادح. روسيا منشغلة ومستنفذة بحربها مع أوكرانيا والصين منشغلة بالتقدم على صعيد التكنولوجيا المتقدمة وسباق التسلح وبإقامة قواعد قطبية والاهتمام بتصعيد مناوراتها فى المياه والأجواء التى تفصلها عن تايوان. كله وغيره من باب الاستعداد لحرب تجارية وسياسية مهد بقرب إعلانها الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية.
• • •
توقف العرب عن تعزيز عقيدتهم القومية فعلا ثم قولا. توقف، أو فى الحقيقة، لم تستجب الحكومات العربية لنداءات المنطق والخبراء أن تقيم الأسس والخطط اللازمة للانطلاق نحو مستقبل أفضل على صعيد التكامل الاقتصادى كما على صعيد التكامل الأمنى. ندرك الآن مدى صعوبة الموقف الراهن وحجم تعقيداته على ضوء غياب المكونات الأربعة الضرورية لإقامة وتسيير نظام إقليمى قوى ومزدهر، أقصد غياب العقيدة وغياب خطط ونوايا التكامل الاقتصادى وغياب خطط ونوايا التكامل الأمنى وأخيرا وليس آخرا غياب توازن فاعل للقوى الرائدة فى النظام الإقليمى.
غير خاف ما تلح عليه إسرائيل إعلاميا وسياسيا ويفضى إلى التعود الدولى على التعامل مع الجناح الشرقى من العالم العربى منفصلا عن جانبه الأفريقى ومرتبطا فى أمنه ومستقبله بنظام لشرق أوسط جديد. غير خاف حجم وقيمة ما تنازلت عنه دول عربية فى شرق النظام كما فى غربه من أرصدة عقيدتها وفرص تكاملها ضمن إقليم عربى. غير خاف حجم العجز الهائل فى عمق الإرادة الجماعية العربية وفى مدى التأثير العربى فى الشئون الدولية نتيجة مباشرة لدخول إسرائيل المباشر وغير المباشر فى التفاعلات البينية فى النظام العربى وفى تفاعلات العرب مع الخارج، وتحت وقع الضغوط التى تمارسها دولة عظمى للمحافظة على ما حققه إرهاب الدولة الصهيونية.
• • •
ومع ذلك يظل الأمل كبيرا ومعقودا على صحوة أو وقفة يستعيد بها النظام العربى حيوية أنقذته من أزمات بعضها كان فى هول أزمته الراهنة، وربما أشد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى بأى حال صار النظام الإقليمى العربى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt