كأنها «تيمة» رئيسية فى «الجونة»، يقترب الحوار بمساحة عميقة إلى العلاقة بين المخرج والممثل فى «اللوكيشن»، وهكذا مثلًا تم التمهيد لهذا الخيط فى تكريم منى زكى على مسرح «البلازا»، عندما قدمها محمد شاكر خضير، وتكرر فى الندوة التى أدارها محمد ياسين، ليس مجرد اختيار عشوائى للمخرجين، امتد الموقف بعد ذلك إلى العديد من الحوارات المماثلة، التى شاهدنا فيها الأسرار التى يبوح بها النجوم، فى علاقتهم بالمخرجين، على الجانب الآخر، تابعت أيضًا غضب البعض باعتبارها مواقف لا يجوز الكشف عنها، حتى لا تنال من الصورة الذهنية لأبطالها.
مثلًا فى أعقاب رمضان الماضى فى مسلسل «حكاية نرجس» احتلت ريهام عبد الغفور مكانة خاصة، اعتبرها كُثر النجمة الأولى، باحت ريهام بموقف ترك ظلاله على مسيرتها عندما وصفها المخرج الكبير محمد فاضل بـ«التمثال».
كانت فى بداية المشوار، تصور أحد المشاهد، واستمعت إلى المخرج الكبير محمد فاضل وهو يقول: «شيلوا التمثال ده من الكادر»، تلفتت حولها، اكتشفت أنها «التمثال»، تعبير قاسٍ من مخرج كبير، الوجه الإيجابى أن تلك القسوة المفرطة لم تقتلها، صنعت منها نجمة استثنائية.
أتذكر مثلًا المخرج الكبير سعيد مرزوق حكى لى عن خلاف بينه وسعاد حسنى أثناء تصوير فيلم «الخوف» ١٩٧٢، سعاد هى النجمة الأولى تسويقيًا ولو اعترضت على اسم سعيد فسوف يتم تغييره فورًا.
فى واحدة من اللقطات اقترحت سعاد فى «اللوكيشن» أن يغير المخرج من حجم «الكادر»، فما كان من سعيد سوى أن نهرها، غادرت الاستوديو وهى تبكى، فى المساء التقت مع الفنان الكبير محمود مرسى صديق الطرفين، تشكو له ما فعله مرزوق، عندما علم مرسى بالتفاصيل قال لها: «سعيد له ألف حق يا سعاد، لو عايزة تخرجى من الأول اطلبى من الإنتاج أن يتم وضع اسمك على التترات بدلًا منه»، وكان هذا هو لقاءها الفنى الثانى والأخير مع سعيد مرزوق.
المخرج حسين كمال، رفض أن تمارس فاتن حمامة فى فيلم «إمبراطورية ميم» ما دأبت أن تفعله مع الآخرين، تذهب إلى حجرة المونتاج، وتشارك المخرج فى الرؤية النهائية قبل العرض الجماهيرى.
دخلت فاتن الحجرة، أوقف حسين كمال فى نفس اللحظة «الموفيولا» وهو الجهاز الذى كان يُستخدم قبل التصوير «الديجيتال»، ورحب بفاتن، ولكن لم يرحب بحضورها المونتاج، ووصلت الرسالة وغادرت فاتن الحجرة، وبرغم نجاح الفيلم تجاريًا وفنيًا لم تكرر فاتن التجربة مع حسين كمال، بعد أن تعطلت بينهما تمامًا الكيميائية الشخصية.
فى الجلسة التى تناولت فى «الجونة» ١٠ سنوات على رحيل المخرج محمد خان، حكى حسين فهمى عن كواليس فيلم «موعد على العشاء» الذى جمع بينه وسعاد حسنى وأحمد زكى عام ١٩٨١، امتد الخلاف بين زكى وخان إلى أنه هدده بالمسدس، والحقيقة أنها لم تكن المرة الأولى التى يهدد فيها زكى محمد خان، أثناء تصوير فيلم «أحلام هند وكاميليا» ١٩٨٨، شهدت شوارع «مصر الجديدة» مطاردة مماثلة، واجه أيضًا خان تهديدًا بالقتل من أحمد زكى، أحدهما يحمل مسدسًا والآخر مطواة.
شيء مماثل من العنف باستخدام الأيدى هذه المرة حدث بين خان وأحمد زكى بعدها فى فيلم «أيام السادات» بطولة وإنتاج أحمد زكى، وتلقى أحد مساعدى خان الضربة بدلًا منه، بينما قال لى خان حرفيًا: «أنا وأحمد زكى توأمان من نفس البويضة الفنية، ولهذا كثيرًا ما نتصارع ونتصافى».
أتذكر قبل نحو ١٥ عامًا صرح عزت العلايلى أن منهج المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف فى الاستوديو أن «التمثيل مسؤولية كل ممثل».
والمعروف أن أبو سيف هو أفضل مخرج يجيد تسكين ممثليه فى أدوار يبدعون فيها، وتسمح لهم بتقديم أفضل ما لديهم، مثلما حدث مع سناء جميل وصلاح منصور فى فيلمى «بداية ونهاية» و«الزوجة الثانية»، وأيضًا مع فريد شوقى وعزت العلايلى فى «السقا مات».
قطعًا هناك عشرات من الحكايات لا يمكن سردها ولا يجوز أيضًا أدبيًا ولا قانونيًا الإيحاء بها، مع الأخذ فى الاعتبار كل ما قرأته فى هذا المقال، وما أدلى به النجوم فى «الجونة» لا بأس من تداوله مجددًا، يقع تحت مظلة المسموح!!.