توقيت القاهرة المحلي 09:50:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان الهشّ... بين اجتياحَي 1982 و2026

  مصر اليوم -

لبنان الهشّ بين اجتياحَي 1982 و2026

بقلم : إياد أبو شقرا

لديَّ شعورٌ بأنَّ معظمَ الكلام الذي يواكبُ نزعَ فتيل التفجير في منطقتنا يستندُ إلى التَّمنيات وتعمّد التَّمويه، لا المُعطيات الحقيقية والالتزامات الجدّية.

شخصياً، لا أشكُّ في أن قلة قليلة من اللاعبين الإقليميين ترفض التسوية السلمية. وأعتقد واثقاً أنَّ على رأس هذه القلة متطرفي اليمين التوراتي - التلمودي الحاكم في إسرائيل ومن يدعمهم خارجها. ولكن من الملاحَظ غياب القواسم السياسية المشتركة التي تتيح تفعيل مقاربات عملية ومخلصة للخروج من «عنق الزجاجة». وكذلك، وجود حالات من انعدام الثقة والصدقية تراكمت لعقود عديدة.

في هذه الأثناء، تستمر المعاناة الإنسانية في فلسطين ولبنان ومناطق أخرى مهدّدة بأن يُخضعها للقتل والتهجير حلم «إسرائيل الكبرى» المندفع بلا مكابح. ولعل مجزرة «الأربعاء الأسود» في لبنان كانت، بعد فظائع غزة، أحد أكثر فصول الاستعصاء الإقليمي... إيلاماً.

ولكن ربَّما أسهمت قسوتُها في تسريع الاتجاه جدّيّاً نحو خيار التفاوض، الذي قد يؤدي نجاحُه إلى حقن الدماء، وقد يساعد هذا اللاعب المتعنّت أو ذاك... على «النزول عن الشجرة» التي تسلقها مختاراً، و«الحفاظ على ماء الوجه».

مع أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، لا خلاف على أن ثمة تفاوتاً بين حاجات اللاعبين المعنيين إلى خيار التفاوض. إذ لا تعادل في القوّة التدميرية بينهم، ولا صلابة تحالفاتهم مع داعميهم ورعاتهم، ناهيك بالشعور الصادق بأهمية السلام والعدالة.

بالتالي، بصرف النظر عن صدق النية في التوصل إلى اتفاق حقيقي -لا مؤشرات حتى الآن على وضوح معالمه - تنمّ تصريحات كثيرة عن وجود ميل قوي عند من يأنس في نفسه القوة إلى «الحسم العسكري» وانتهاز الفرصة الحالية لتحقيق حلم هيمنة قديم.

القيادة الإسرائيلية الحالية تقف في طليعة الساعين إلى الاستفادة من اللحظة، عبر رفع سقف المطالب التعجيزية، و«فرملة» آليات الوساطة والتفاوض، ومن ثم... الانقلاب على أي نتيجة قد تؤدي إليها هذه الآليات.

وينبري بتسلئيل سموتريتش ليكرّر أمام جمهوره التوراتي المتطرّف وعود التوسع في الاحتلال، ويتباهى إيتمار بن غفير بسجله الدموي الفاشي الذي كان آخر فصوله إقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين.

في المقابل، ترى بعض الرؤوس الحامية في إيران أنه ما عاد لديها ما تخسره بعدما شنّت واشنطن وتل أبيب عليها «حرب إسقاط النظام».

ومن هذا المنطلق، تعمل هذه الرؤوس، وبخاصة في «الحرس الثوري»، على «تغيير شروط اللعبة» بما يوافق نقاط القوة والضغط المتوافرة لها... وهذا بعدما دفعت غالياً ثمن مواجهات الجولات الأولى التي «لعبها» الأميركيون والإسرائيليون وفق أولوياتهم.

وكان على رأس تلك الأولويات: قتل رأس النظام، ثم شنّ عمليات متلاحقة تهدف إلى تدمير بنية «الحرس الثوري» ومرافق إيران الاقتصادية الحيوية، وملاحقة القوى الإقليمية الرديفة المرتبطة عقائدياً واستراتيجياً مع طهران.

قرار تغيير شروط اللعبة هذا تجسّد بدايةً في خطوتين (عسكرية واقتصادية)، هما: استهداف القواعد العسكرية في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز، مع ما ينطوي عليه قرار كهذا من تبعات وردّات فعل يصعب التحسّب لها، لا سيما في عهد رئيس أميركي مثل دونالد ترمب.

...لا يكفي في حالات كإغلاق ممر مائي دولي بأهمية مضيق هرمز تصوّر أن «الأعداء» وحدهم سيقتنعون بأنهم الأطراف المستهدفة. إذ إن واقع الأمر يشير إلى وجود جهات عديدة تشعر الآن بأنه زُّج بها في صراع مُكلف وخطير كانت في غنى عنه. ثم إن هذه الجهات، وإن كانت ترغب في التوسّط، قد تجد نفسها عاجزة عن ذلك أمام حدة الاستقطاب والسقوف العالية.

الوضع الراهن في لبنان، فعلياً، من الأمثلة المؤلمة على حدة الاستقطاب، وهذه حقيقة يعرفها اللبنانيون، والعرب، والإسرائيليون... وطبعاً الأميركيون.

المعروف أن تأسيس لبنان عام 1920، جاء بعد حرب عالمية غيَّرت خرائط، واستنهض حروباً وفتناً إقليمية تعود تاريخياً إلى نضج «المسألة الشرقية» في القرن الميلادي الـ18. غير أن هذا التأسيس، الذي كبّر حجم «متصرفية جبل لبنان» ذات الكثافة السكانية المسيحية، ألحق بـ«المتصرفية» مناطق كبيرة ذات كثافة مسلمة.

ومع تذكّر أن «المتصرفية» نفسها أُسّست في نهاية حرب أهلية بين 1840 و1860، ندرك لماذا اتسم تاريخ لبنان المُعاصر بالهشاشة، وضعف التوافق، والهروب الدائم إلى التسويات المَرعيّة -أو المُوحى بها- خارجياً.

عام 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان إبان عهدي رئيس وزراء إسرائيلي يميني هو مناحيم بيغن، ورئيس جمهورية أميركي يميني هو رونالد ريغان، بهدف تصفية وجود المقاومة الفلسطينية.

واليوم يُجتاح لبنان ونسمع أن الهدف المعلن هو ضرب «حزب الله»، الذي لم يكن موجوداً عام 1982!

مأساة اللبنانيين اليوم أن بعضهم لم يعارض «اجتياح 1982»، بل حاول تبريره بالحاجة لإنهاء الهيمنة الفلسطينية المسلحة. واليوم أيضاً لا إجماع على رفض الاجتياح الحالي الذي يحاول تبريره بإنقاذ البلاد من الهيمنة الإيرانية.

اللا معارضة في الماضي، مثل اللا إجماع اليوم، لم ولن يحصِّنا الكيان الصغير المهدّد دائماً بأن يكون أول الخاسرين!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان الهشّ بين اجتياحَي 1982 و2026 لبنان الهشّ بين اجتياحَي 1982 و2026



GMT 09:42 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«فيفتي فيفتي»

GMT 09:40 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان يرفض الساعة الإيرانيّة

GMT 09:36 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

فصح مجيد محاصر بالصهيونية والتطرف

GMT 09:33 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

عودة الحربِ أو الحصار

GMT 09:31 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

أمير طاهري و«جوهر» المشكلة

GMT 09:27 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان... مواجهة لعبة التفكيك

GMT 09:21 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«جناح الفراشة» يتحدَّى قطعة «الكنافة»

GMT 08:37 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ثلاث حكايات

هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 14:44 2016 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

تعافي سعود لاعب 100 متر جري من الاصابة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 06:38 2015 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

"الصحة" تفتتح "وحدة زراعة الكبد" في مستشفى معهد ناصر

GMT 21:10 2020 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

اللاعب المصري محمد عواد يعلن إصابته بكورونا

GMT 13:13 2020 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

رد ناري من "حنين حسام" على المذيع نشأت الديهي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt