توقيت القاهرة المحلي 23:22:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان الكبير... نحو «اللبنانات» الصغيرة

  مصر اليوم -

لبنان الكبير نحو «اللبنانات» الصغيرة

بقلم:إياد أبو شقرا

في تغريدة لافتة، لكنها غير مفاجئة لمن يعيش عمق أجواء الأزمة اللبنانية وأبعادها، كتب الزعيم الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط: «... سيكتشف أهل الميثاق القديم، والعُرف الجديد، أن لا مال في بيت المال، وأن مرفأ بيروت مات... وأن كل صواريخ وراجمات المذهبية، من أي جهة، لن تحمي لبنان. أخشى أن أقول رحمة الله على لبنان الكبير».

هذا نعي مهذب وموجع لتجربة بات الدفاع عن بقائها، بشكلها الحالي، ضرباً من السذاجة.

وليد جنبلاط، الذي كانت أسرته جزءاً من نسج مفهوم الهويّة اللبنانية من قلب جبل لبنان، عبر أجيال متعاقبة من الزعماء، يفهم تماماً ما يقوله. ثم إن الأسرة تعاملت مع القوى الكبرى ووكلائها الإقليميين، فكان تعاملها مجزياً أحياناً... ومأساوياً مرّات عديدة.

إذ دفع بشير جنبلاط ثمن تناقض مصالح «مصر محمد علي» - ومن خلفها فرنسا - من ناحية، وولاة دمشق وعكا العثمانيين من ناحية ثانية. وغُرّم سعيد جنبلاط ثمناً باهظاً للصراع الغربي - العثماني، ثم التنافس الأنكلو - فرنسي في شرق المتوسط، الذي أثمر «صيغة المتصرفية» في النصف الثاني من القرن الـ19. بعد ذلك استوعبت نظيرة جنبلاط اختلال ميزان القوى منذ 1920 فحافظت على الزعامة بأقل قدر من الخسائر. غير أن ابنها كمال والد وليد، الذي ورث لواء الزعامة منها إبان مرحلة الاستقلال و«الحرب الباردة»، قتله إيمانه بـ«العروبة» والكفاح من أجل فلسطين قبل أن يكتشف متأخراً صفقات «الغرف المظلمة» بين كبار العالم وزبائنهم الإقليميين.

وهكذا، عندما ينعى وليد جنبلاط «لبنان الكبير»، ذلك الكيان الجامع للطوائف والأديان منذ تأسيسه قبل 100 سنة، فإنه يفعل بفضل عصارة تجارب، واستيعاب دروس، وخيبات أمل، ورهانات سياسية مكلفة.

ثم إن الأشياء في منطقتنا ما عادت تعني ما أقنعنا أنفسنا طويلاً بأنها تعنيه. نحن اليوم أمام واقع مختلف، وتحديات مختلفة، وهويات مختلفة، وأولويات مختلفة، وذاكرات مختلفة.

بالأمس تساءل أحدهم في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي بشيء من الخبث عن «أيّهما يكره (حزب الله) أكثر... لبنان أم إسرائيل؟»، فجاءه ردٌ أخبث «احصِ عدد الذين قتلهم هنا، والذين قتلهم هناك، تحصل على الجواب!».

طبعاً، هذا كلام لا يعتدُّ به في النقاش السياسي الجدّي، إلا أن النقاش الفعلي، وعلى أعلى المستويات الرسمية، لا يختلف عنه كثيراً. والواقع أن فكرة التعايش النقي انتهت، وما عاد الاعتراف بالارتباط بمخططات أجنبية عيباً. وفي المقابل، صنعت المزايدات الطائفية الكيدية «تحالفات» انتهازية تجاهلت خطر المخططات الإقليمية غير العربية.

كذلك، فإن الغطرسة المبنية على فائض القوة محلياً وإقليمياً، أثارت رد فعل معاكساً حمل مطالبات كـ«الحياد»، ظنّ اللبنانيون أنها طويت من 1920، وجرى ترسيخ طيها مع الاستقلال و«الميثاق الوطني» عام 1943. ثم، بعد الحرب اللبنانية بين 1975 و1990، عبر «اتفاق الطائف»، ثبّت ذلك الترسيخ العُرفي نصّاً. واعتمدت «محاصصة» المناصب القيادية و«المناصفة» في غيرها... إيقافاً للعد السكاني وقطعاً للطريق على استغلال المتغيرات الداخلية والخارجية.

أكثر من هذا، تضمّن «الطائف» بندين دستوريين أساسيين إقراراً بالتعددية وحماية للعيش المشترك، نصّا على: نظام اللامركزية الموسّعة، واستحداث مجلس شيوخ طائفي تتساوى فيه الطوائف ويتولى البتّ في القضايا المصيرية التي تمس بالعيش المشترك.

طبعاً، الداعي إلى كل هذا الكلام الأزمة المصيرية التي تنذر بزوال لبنان.

إنها أزمة ذات عدة أوجه: سياسي واقتصادي وأمني وطائفي، استدعت تدخلاً دولياً علنياً اضطلعت به فرنسا القوة المنتدبة سابقاً بين 1920 و1943، وتدخلاً أميركياً غير مباشر عبر الضغوط والتلويح بالعقوبات.

غير أن ما ظهر، لتاريخه، أن المساعي الفرنسية التي قادها الرئيس إيمانويل ماكرون شخصياً لم تُحقّق النجاح المأمول.

ومع أن)كثرة من اللبنانيين كانوا يدركون أساس المشكلة وعبثية المقاربات التجميلية، فإنهم فضّلوا الرهان على التفاؤل. وأمِلوا في أن تتصرّف باريس بحزم، ولا سيما، إذا كان ثمة تنسيق بينها وبين الإدارة الأميركية.

إلا أن تجاوز العقبة الأولى بتسمية رئيس وزراء مكلّف، تلته عثرات ومناورات. ثم ظهرت مواقف تصعيدية اختار «حزب الله» أن تأتي باسمه، بدلاً من إيكالها لجهات أخرى كالرئيس نبيه برّي والمفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان.

ما غفل عنه الرئيس الفرنسي، أو أغفله عمداً، أن بداية الحل ونهايته تتمثلان بالتعامل مع الوضع الاحتلالي الشاذ الذي تندرج تحته، وفي ظله، وأحياناً تحت حمايته كل مشاكل لبنان... على الأقل منذ عام 2005. وبالتالي، فإن إقدام مبادرته على «تحييد» الحزب والتعامل معه كـ«مكوّن» لبناني سياسي له ملء الحق بأن يتمثل في السلطة، شجّعت الحزب - بعدما امتص الغضبة الشعبية من كارثة مرفأ بيروت - على العودة إلى التصعيد.

جاء هذا التصعيد، في بيان ناري، قبل أيام، رفض فيه الحزب حكومة اختصاصيين غير سياسية كانت قد وافقت عليها مختلف القوى السياسية، وأصر على أن تختار الأحزاب وزراء مكوّناتها الطائفية فيها. وكذلك أصرّ على «شيعية» حقيبة وزارة المالية... معتبراً هذه مسألة في صميم «الميثاقية» السياسية.

خلفية هذا الإملاء من قبل «حزب الله» مفهومة. فهو يعرف أن باريس لم تتردد في السير ضد موقف واشنطن من البرنامج النووي الإيراني. ثم رفضت تأييد واشنطن في مجلس الأمن الدولي في موضوع العقوبات على إيران.

ومن جهة ثانية، يناور الحزب - ومن خلفه القيادة الإيرانية - رافضاً تقديم التنازلات بين الآن وموعد الانتخابات الأميركية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ومعلوم، أن القيادة الإيرانية تراهن على انتصار ديمقراطي في هذه الانتخابات يعيد تسليم الملف الإيراني، بل الإقليمي كله، إلى «لوبي» طهران في واشنطن.

في ظل هذا الوضع وهذه «الثقافة السياسية» القائمة على الهيمنة، ما عاد شكل «الدولة المركزية» قابلاً للحياة.

وعليه، درءاً للتقسيم النهائي الكامل، وإنقاذ لبنان من المجهول، فإن البديل الوحيد هو صيغة «لا مركزية واسعة»، وقد تكون «فيدرالية».

ما عاد ممكناً للبنان العيش في ظل التهديد الدائم بالعددية، وطرح قانون الدائرة الانتخابية الواحدة، واحتكار السلاح، واختراق الطوائف وتفخيخها بالعملاء والأدوات.

الدرس اللبناني، باختصار، هو أن الكيانات التعدّدية تقتلها غطرسة القوة.

والأحزاب الشمولية لا تستسيغ... ولا تجيد... ولا تريد الديمقراطية!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان الكبير نحو «اللبنانات» الصغيرة لبنان الكبير نحو «اللبنانات» الصغيرة



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt