بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم تكن زيارة رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى إلى إسرائيل مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل لحظة سياسية رمزية تعكس تحولا عميقًا فى موقع الهند داخل توازنات الشرق الأوسط. ففى خطابه أمام الكنيست، أعلن مودى أن بلاده تقف «بثبات وبقناعة راسخة» إلى جانب إسرائيل، معبّرًا عن تضامنه بعد هجوم السابع من أكتوبر، ومؤكدًا أن «لا قضية تبرر قتل المدنيين».. لكن فى المقابل، لم يأتِ خطابه على ذكر آلاف الضحايا الفلسطينيين فى غزة إلا بإشارات عابرة وغير مباشرة، وهو ما أثار انتقادات حتى داخل الهند نفسها.
التحوّل ليس مفاجئا بالكامل. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين نيودلهى وتل أبيب عام ١٩٩٢، تطورت العلاقات تدريجيًا، لكن القفزة الكبرى جاءت مع صعود مودى إلى الحكم، بوصفه أول رئيس وزراء هندى يزور إسرائيل عام ٢٠١٧. يومها، بدا المشهد استثنائيًا، زعيم قومى هندوسى وزعيم يمينى إسرائيلى يتجولان معًا فى حيفا، فى صورة جسّدت ولادة شراكة استراتيجية جديدة. واليوم، بعد ما يقرب من عقد، تتعمق هذه الشراكة فى الدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات، بل حتى فى إدارة البنية التحتية، فيما يعتمد الجيش الهندى على مسيّرات إسرائيلية استخدمت فى مواجهات ٢٠٢٥ مع باكستان.
المشكلة ليست فى التعاون الاقتصادى أو الدفاعى بحد ذاته، فالدول تبنى سياساتها على المصالح. لكن الإشكال يكمن فى طبيعة الانحياز السياسى المعلن، وتوقيته، ورمزيته. فالهند التى رسّخت صورتها تاريخيا فى الذاكرة العربية كدولة رائدة فى حركة عدم الانحياز، وداعمة للحقوق الفلسطينية فى الأمم المتحدة، تبدو اليوم أقرب إلى الاصطفاف ضمن ما وصفه بنيامين نتنياهو بـ«محور دول متشابهة التفكير» فى مواجهة «محاور متطرفة». هذا الخطاب يضع الهند- شاءت أم أبت- داخل معادلة استقطاب إقليمى حاد.
نيودلهى تحاول موازنة الصورة، فهى تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع دول الخليج، وتدير مشاريع كبرى فى إيران، وتؤكد رسميا دعمها لحل الدولتين. لكنها فى هذه الزيارة تحديدا، اختارت لغة أقرب إلى التضامن غير المشروط مع إسرائيل.
المفارقة أن الهند تحتاج المنطقة أكثر مما تحتاجها إسرائيل. فهى تعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج، وتستضيف دول الخليج ملايين العمال الهنود، كما تشكل التحويلات المالية من المنطقة رافدا مهما لاقتصادها. كما أن الهند تسعى للتموضع كقوة عالمية كبرى، ما يتطلب منها الحفاظ على صورة متوازنة، لا الانخراط فى استقطابات قد تقيد حركتها الدبلوماسية.
لا أحد ينكر حق الهند فى بناء شراكاتها وفق مصالحها.. لكن السياسة ليست حسابات تجارية فقط، إنها أيضًا ذاكرة ورمزية وتوازن. والانحياز الكامل، فى لحظة حرب ودمار، قد يقرأ فى المنطقة باعتباره خروجا عن إرث طويل من المواقف التى صنعت للهند مكانة خاصة فى الوجدان العربى. السؤال الذى سيبقى مفتوحا، هل هو تحوّل تكتيكى عابر، أم إعادة تعريف استراتيجية لدور الهند فى الشرق الأوسط؟.