توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا كل هذا القلق؟

  مصر اليوم -

لماذا كل هذا القلق

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يكن إعلان إسرائيل اعترافها بـ«صومالى لاند» حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل خطوة ثقيلة الدلالات لأنها تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية فى النظامين العربى والإفريقى: وحدة الدول وحدودها، فالاعتراف بكيان انفصالى، حتى وإن كان مستقرًا نسبيًا، يفتح أسئلة تتجاوز الحالة الصومالية نفسها، وتمس بنية النظام الإقليمى كله.

صومالى لاند هو إقليم يقع فى شمال الصومال، أعلن انفصاله من طرف واحد عام 1991، مع انهيار الدولة المركزية الصومالية. ومنذ ذلك الحين، بنى مؤسسات حكم محلية، ونظم انتخابات. لكن هذا الواقع الداخلى، مهما بدا مغريًا لبعض العواصم، لم يتحول طوال أكثر من ثلاثة عقود إلى اعتراف دولى رسمى، احترامًا لمبدأ راسخ فى القانون الدولى هو عدم شرعنة الانفصال الأحادى.

هنا تحديدًا تكمن حساسية الخطوة الإسرائيلية. فالاعتراف لم يأتِ بعد استفتاء وطنى شامل، ولا ضمن تسوية دولية متفق عليها، ولا بموافقة الدولة الأم. بل جاء كقرار أحادى، يكسر إجماعًا دوليًا ظل صامدًا. لذلك لم يكن مستغربًا أن ترفضه مقديشو فورًا، وأن يتحفظ عليه الاتحاد الإفريقى، الذى يقوم جوهر فلسفته منذ تأسيسه على حماية حدود الدول الإفريقية الموروثة عن مرحلة الاستقلال.

ثم هناك البعد الجيوسياسى الأوسع. فموقع صومالى لاند على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية. هذه المنطقة تمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وأمن الطاقة والملاحة. ومن هنا، يقرأ كثيرون الاعتراف الإسرائيلى بوصفه خطوة تتجاوز التعاطف مع «تجربة مستقرة»، إلى محاولة حجز موطئ قدم سياسى وأمنى فى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

الخطورة لا تكمن فى إسرائيل وحدها، بل فى كسر المحرم الدبلوماسى. فحتى الآن، لم تتبع أى دولة أخرى هذا المسار، وبقى الاعتراف الإسرائيلى منفردًا. لكن التجارب الدولية تقول إن السوابق تبدأ غالبًا بخطوة واحدة. وإذا ما قررت قوى أخرى السير فى الاتجاه نفسه، فإننا نكون أمام تحول عميق فى طريقة التعامل مع قضايا الانفصال، بعيدًا عن التسويات التفاوضية، وقريبًا من منطق الأمر الواقع.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل المفارقة الأخلاقية والسياسية التى يثيرها هذا الاعتراف. فالدولة التى ترفض الاعتراف بحقوق سيادية لشعب تحت الاحتلال، تُقدِم فى الوقت ذاته على الاعتراف بانفصال إقليم عن دولة أخرى، دون موافقتها. هذا التناقض يفسر جانبًا من الغضب العربى والإفريقى، الذى رأى فى الخطوة انتقائية سياسية، لا دفاعًا مبدئيًا عن «حق تقرير المصير».

الاعتراف الإسرائيلى بصومالى لاند ليس مجرد خبر فى نشرة دبلوماسية، بل هو اختبار صريح لقواعد النظام الدولى الهش أصلًا. إنه يضع مبدأ وحدة الدول فى مواجهة حسابات النفوذ، ويجعل القرن الإفريقى ساحة إضافية لتقاطعات الشرق الأوسط، ويذكّر بأن الخرائط لا تتغير فقط بالحروب، بل أحيانًا بقرارات اعتراف تبدو محدودة، لكنها تحمل آثارًا بعيدة المدى.

ولهذا، فإن القلق الإقليمى مفهوم، ليس خوفًا على الصومال وحده، بل خشية من عالم تُعاد فيه صياغة الحدود لا عبر التوافق، بل عبر السوابق.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا كل هذا القلق لماذا كل هذا القلق



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt