توقيت القاهرة المحلي 17:50:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تشرشل خاطب التاريخ وترامب خاطب المرآة

  مصر اليوم -

تشرشل خاطب التاريخ وترامب خاطب المرآة

بقلم:عبد اللطيف المناوي

«لقد أُعجبت كثيرًا بذكائى، فأنا ذو معدل ذكاء مرتفع».. تُنسب هذه العبارة إلى دونالد ترامب، وإن كان من الصعب العثور عليها بهذه الصياغة الحرفية. لكن معناها مؤكد تمامًا فى قاموسه، فقد كتب عام ٢٠١٣: «آسف أيها الخاسرون والكارهون، لكن معدل ذكائى من بين الأعلى، وأنتم جميعًا تعرفون ذلك»، قبل أن يطمئن مخاطبيه بسخرية: «لا تشعروا بالغباء أو عدم الأمان، فليس هذا خطأكم»! وفى عام ٢٠١٨ منح نفسه لقب أكثر اكتمالًا حين أعلن أنه «عبقرى مستقر جدًا».

يحتفظ التاريخ بجمل لزعماء ومفكرين بقيت بعدهم لأنها اختصرت لحظة كبرى أو فكرة تتجاوز أصحابها. نستعيد كلمات تشرشل فى زمن الحرب، وعبارة يوليوس قيصر عن مجيئه ورؤيته وانتصاره، وتأملات أرسطو، ورسائل غاندى. أما ترامب فيقدم حالة مختلفة، معظم عباراته لا تنظر إلى التاريخ أو الوطن أو البشرية بقدر ما تنظر إلى دونالد ترامب نفسه.

إنه لا ينتظر من المؤرخين أن يكتشفوا عظمته، يعلنها بنفسه، ثم يكررها حتى تصبح موضوعًا عامًا. وهو لا يترك للجمهور مهمة تقييم ذكائه أو ثروته أو نجاحه، بل يقدم التقييم مع المنتج فى عبوة واحدة. ترامب هو الخطيب، وموضوع الخطبة، وأول المعجبين بها.

قال خلال حملته عام ٢٠١٥: «أنا أعرف الكلمات، ولدىَّ أفضل الكلمات». وعندما سألوه فى العام التالى عمن يستشيره فى السياسة الخارجية، أجاب بأنه يستشير نفسه لأنه يملك «عقلًا جيدًا جدًا». ثم لخص رؤيته للرئاسة فى عبارته الأشهر والأخطر: «لا أحد يعرف النظام أفضل منى، ولذلك فأنا وحدى القادر على إصلاحه». وقد وردت العبارة فى خطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهورى عام ٢٠١٦، وسط تصفيق جمهور لم يَرَ فيها غرورًا بقدر ما رأى وعدًا بالخلاص.

من الخطأ اختزال لغة ترامب فى الطرافة أو اعتبارها مجرد هفوات رجل يتحدث كثيرًا. فخلف هذه اللغة غريزة إعلامية شديدة الذكاء. لقد جاء من عالم العقارات، حيث الاسم علامة تجارية، ومن تليفزيون الواقع، حيث الانتباه هو العملة الحقيقية. ولذلك لا يستخدم الكلمات لكى يشرح الواقع فقط، بل لكى يستحوذ عليه.

قاموسه بسيط وحاسم، الأفضل والأسوأ، الأقوى والأضعف، الجميل والكارثى، المنتصرون والخاسرون. لا توجد فى عالمه مساحات رمادية كثيرة. التكرار عنده ليس عيبًا لغويًا، بل أداة تثبيت. والمبالغة ليست انحرافًا عن الرسالة، بل هى الرسالة نفسها.

إنه يبنى صورته على يقين راسخ، لأن التردد، فى منطقه ليس تواضعًا فكريًا بل علامة ضعف.

فماذا سيبقى من «مأثورات» ترامب؟ ربما «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، وهو من أنجح الشعارات السياسية فى العصر الحديث. وربما «أنت مطرود» التى حملها معه من تليفزيون الواقع إلى السياسة. لكن العبارة الأكثر تعبيرًا عنه ستظل: «أنا وحدى القادر على إصلاحه».

فهى تختصر الرجل كله، الثقة والمبالغة، الفردية والاستعراض، احتقار المؤسسات والإيمان بالبطل المنقذ. زعماء كثيرون تحولوا مع الزمن إلى مقولات، أما ترامب فقد أمضى حياته يحاول أن يحوّل كل مقولة إلى إعلان جديد عن ترامب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشرشل خاطب التاريخ وترامب خاطب المرآة تشرشل خاطب التاريخ وترامب خاطب المرآة



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 03:52 2026 الإثنين ,14 أيلول / سبتمبر

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 21:56 2019 الأحد ,10 شباط / فبراير

يوفنتوس يفوز على مضيفه ساسولو "3-0" الأحد

GMT 16:33 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

قصة سيدنا يوسف مع زوجة العزيز من وحي القرآن

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 23:43 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

ليبرون جيمس يمدد عقده مع الليكرز لعامين مقابل 85 مليون دولار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt