توقيت القاهرة المحلي 11:18:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإمام الصدر والخمينية... التصادم والإزاحة

  مصر اليوم -

الإمام الصدر والخمينية التصادم والإزاحة

بقلم : نديم قطيش

تحتل السيرة السياسية للإمام موسى الصدر فصلاً مهماً من أي بحث عن مآلات الثورة الإيرانية، والشيعية السياسية فـي إيران ولبنان والمنطقة. كما لا يمكن فهم الخمينية؛ كمدرسة سياسية وفقهية وصلت الآن إلى ذروة هيمنتها السياسية على الشيعة في العالم، من دون قراءتها في ضوء التعارض الحاد بينها وبين مدرسة الإمام الصدر. فالأخيرة نهضت على مرجعيات فقهية وسياسية مختلفة تماماً عن مرجعيات الخمينية، ومورست من خلال أداء براغماتي يعطي أولوية للخصوصية الوطنية اللبنانية أو العراقية أو الخليجية في البيئات الشيعية المختلفة، على الأولوية الثورية العابرة للهويات الوطنية كما كانت الحال وما زالت في ممارسات الخمينية.

آخر البحوث الرصينة في حال الشيعة وسيرتهم، كتاب أراش ريزنه أزهاد «شاه إيران... أكراد العراق وشيعة لبنان»، الصادر بالإنجليزية، وكان موضوع مراجعة نقدية موسعة في مجلة «أميركان إنترست» مؤخراً.

يتعقب الباحث؛ الإيراني الأصل، سيرة التحولات الكبرى التي حفّت بالشيعة بعد سقوط نظام الشاه، من خلال وثائق لجهاز «السافاك» ينشر بعضها للمرة الأولى، وتظهر طبيعة الاتصالات بين نظام الشاه وعدد كبير من الشخصيات بينها الإمام الصدر. كما تكشف عن طبيعة الصراعات التي شكّلت ديناميات الثورة التي أوصلت الخميني إلى الحكم، والعلاقات المعقدة لأجنحة الثورة بعضها ببعض، كما تبين سلوك الشخصيات التي أثّرت في مسارات الثورة ومآلاتها، وعلاقاتها بالصدر. بهذا المعنى يعيد الكتاب، من خلال الوثائق والسير الفرعية، تركيب السيرة المعقدة للصدر التي ابتسرت في السنوات القليلة الماضية وجرت إعادة تدويرها في سياق سردية إيرانية مزورة تطمس التباينات الجذرية بين الصدر والخميني، وتجعل من مسار الإمام الصدر مجرد مجرى صغير في نهر الخمينية، وتقدمه للجمهور الشيعي بكثير من المديح اللفظي والمسايرة، اللذين باتا سمة جديدة في خطاب «حزب الله» في لبنان.

الحقيقة أن عنوانين أساسيين فرزا قوى الثورة الإيرانية في لبنان، هما؛ أولاً: موقف الفصائل المختلفة من العلاقة بالموضوع الفلسطيني. وثانياً: رؤية هذه الفصائل لهوية الدولة الإيرانية ما بعد الشاه وانقسامها حول الموقف من نظرية «ولاية الفقيه» لصاحبها الخميني.

في العنوانين، وقف الإمام الصدر في منطقة التعارض مع الخميني وفريقه. فهو على خلاف الثورية الخمينية، لمس مصلحة شيعة لبنان في أن يكونوا جزءاً من الوطنية اللبنانية التي كانت تُعرَف حينذاك بموقفها الرافض للكفاح الفلسطيني المسلح من لبنان، وقبل ذلك بالموقف المعترض على الناصرية.

ولئن كان مسرح الكفاح المسلح هو جنوب لبنان، أي إحدى البيئتين الشيعيتين الرئيسيتين في الجغرافيا اللبنانية، فقد ارتأى الصدر أن المغامرة بمصالح أهل الجنوب وعمرانهم واستقرار بيئتهم لا يخدم المصلحة الشيعية في شيء. لهذا شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978، سنة اختفاء الإمام، ذروة الطلاق بين الصدر والخميني. فتحفظات الصدر على العمل الفلسطيني المسلح، باتت أكثر علنية، ووصلت في خطابات الجمعة بمدينة صور إلى حد القول إن الاجتياح ما كان ليحصل لولا الوجود الفلسطيني.

وينقل الكتاب عن مذكرات علي أكبر محتشمي، سفير الخميني لدى منظمة التحرير ولاحقاً لدى سوريا بعد الثورة ثم وزيراً للداخلية، أن محتشمي قدم تقريراً للخميني حول خطابات الصدر السالفة الذكر، وأن الخميني أبدى حيالها «كثيراً من الأسى بسبب انعدام ثورية الصدر»!!

كانت الدعاية السياسية المضادة للصدر، السابقة على اجتياح 1978، والتي يقودها محتشمي، وعدد من أركان ما يعرف بـ«خط الإمام» الخميني، كجلال الدين فارسي، ومحمد منتظري، ومحمد بهشتي، تعدّ الصدر «عميلاً للمارونية السياسية» و«حزب الكتائب اللبنانية» بسبب من الفلسفة الوطنية التي حافظ عليها وفعّلها في الهوية الشيعية، في حين كان يرى في ولاية الفقيه الغيبية العابرة للوطنيات «عصارة عقل مريض» كما وصفها في رسالة بعث بها إلى الشاه!! وقد ظل الصدر على تقليده للسيد محسن الحكيم وبعده الإمام أبو القاسم الخوئي، رافضاً مرجعية الخميني.

والواقع أن تهمة العمالة للمارونية السياسية، لها جذور قبل اصطدام الصدر بالملف الفلسطيني، حيث إن الإمام تقرب من مؤسسات النظام السياسي اللبناني؛ لا سيما رئاسة الجمهورية، ولم يعادِها، بل إن الشاه رأى فيه وفي موقعه هذا، إبان صعود الناصرية، مرتكزاً شيعياً مهماً في سياسة إيران الخارجية غير الرسمية المناهضة لجمال عبد الناصر. وقد وفّر الحلف بين الصدر والرئيس اللبناني فؤاد شهاب، بمباركة بعيدة من الشاه، عمقاً إسلامياً للموقف المسيحي اللبناني المتوجس من الناصرية، في مقابل الحماس الإسلامي السني لها. ووفّر للشاه صوتاً عربياً إسلامياً من قلب المنطقة يخترق خطاب التهليل للناصرية ومن موقع وطني لبناني. وهذا، للمفارقة، معاكس للوظيفة الإيرانية التي يلعبها اليوم الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، بوصفه صوتاً عربياً لإيران من قلب المنطقة، يعلو بالاعتراض على مواقف السعودية والإمارات ومن موقع لا يقيم وزناً لأي مصلحة وطنية لبنانية.

من مفارقات الكتاب الكثيرة ما يكشفه من انطباعات مقربين من الصدر، كصهره مهدي فيروزان وصادق طبطبائي، حول حجم العداء للإمام في أوساط رجال الخميني، ومنها اتهام فيروزان لجلال الدين فارسي بأنه كان مقرباً من الخميني ومن القذافي وبأن له دوراً في التحريض على اختطاف الصدر. وفارسي من مجموعة محتشمي ومنتظري، والأخير حل ضيف شرف على القذافي في مارس (آذار) 1979 بعد أشهر من اختطاف الإمام الصدر، وكانت المناسبة الاحتفال بالانسحاب البريطاني من ليبيا... ويبقى السؤال السهل الصعب... من قتل موسى الصدر؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإمام الصدر والخمينية التصادم والإزاحة الإمام الصدر والخمينية التصادم والإزاحة



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt