توقيت القاهرة المحلي 12:59:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«حزب الله»... تفسخ الصورة

  مصر اليوم -

«حزب الله» تفسخ الصورة

بقلم: نديم قطيش

مسرح العمليات كان مسرحاً بالفعل. لم تمضِ ساعات قليلة على عملية «حزب الله» ضد قاعدة عسكرية إسرائيلية وآلية أو آليات في قاعدة بالقرب من مستوطنة موشاف أفيميم، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الجنوبية اللبنانية الإسرائيلية، حتى تبين أن ما شهدناه كان مسرحاً معداً بعناية.
من الصعب الزعم أن «حزب الله» كان جزءاً من لعبة توزيع الأدوار، وأن العملية التي انتهت بلا أي إصابات، سوى بعض الدمى، هي ما قصد الحزب تنفيذه بالفعل. الأرجح أن «حزب الله» سقط ضحية خدعة عسكرية هندسها الإسرائيلي ونفذها بدقة فائقة، جعلته يعتقد أنه نفذ عملية ناجحة توازي في نتائجها ما تعرض له في سوريا ولبنان، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة.
ففي سوريا استهدفت إسرائيل خلية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، متخصصة في تطوير الهجمات بالطائرات المسيّرة، ويقودها - بحسب ما كشف الجيش الإسرائيلي - الجنرال الإيراني جواد غفاري الذي يعمل تحت قيادة قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، ويعمل تحت إمرته عدد من الكوادر، بينهم ياسر أحمد ضاهر وحسن يوسف زبيب، اللذان قتلا في الغارة الإسرائيلية. اللافت أن إسرائيل هي من أعلنت أسماء القتلى قبل أي طرف آخر، وهو ما يعني أن غارة دمشق عملية ضد أهداف معروفة مسبقاً، وأن حجم الاختراق الأمني الإسرائيلي بالغ العمق.
أما في لبنان، فلا يزال الغموض يحيط كثيراً من تفاصيل الطائرات المسيّرة التي انفجرت في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، عاصمة دولة «حزب الله»، وما إذا كانت المسيّرات إسرائيلية، أم تمت السيطرة عليها وسُيّرت نحو أهداف بخلاف إرادة أصحابها. كما لا يبدو واضحاً ما كان الهدف من ورائها.
غير أنه في سوريا كما في لبنان، رفعت إسرائيل التحدي في وجه «حزب الله»، وتحديداً في وجه روايته عن نفسه وعن الآخرين، وعن روايته للصراع وتوازناته.
يعرف «حزب الله» أهمية الرواية في الحرب. منذ البداية صرف كثيراً من الجهد والمال في مجال صناعة الرواية عبر ذراع الإعلام الحربي. وهو يعرف أن في الحروب المعاصرة لم تعد المسألة محسومة لناحية أن المنتصر يكتب رواية الحرب. ثمة حرب أخرى هي حرب الروايات. أجاد «حزب الله» في هذه المسألة لعقود؛ لكنه بدا متعثراً في زمن «السوشيال ميديا». ما عادت «قناة المنار» التابعة له قادرة على تزخيم الانتصارات والتحكم في السياقات السردية للحرب وللعمليات العسكرية. وما عادت أناشيد التعبئة كافية لتصدير صورة واحدة منقحة معتنى بتفاصيلها، عن واقع الجماهير المرصوصة خلف النصر الأكيد.
صورة نصر الله التي يختصرها الشعار الدعائي «الوعد الصادق»، أصيبت بكثير من التفسخات جراء العملية الأخيرة. بدا الصراخ والصوت المرتفع الذي سبقها في خطابيه أعلى بكثير من سقف النتائج التي تحققت، في عملية بلا إصابات. بدا مخدوعاً من الإسرائيلي، مسبوقاً بخطوات، ومحشوراً في زاوية اختراع رواية للنصر لا تعينه عليها الوقائع. الدمى التي اكتشف «حزب الله» أنه استهدفها في الواقع، ونقلت أجسامها بشكل مسرحي من موقع العملية، كانت موضع تندر من قبل مناصريه على مواقع التواصل الاجتماعي قبل العملية، لتقع المجموعة المهاجمة في الفخ نفسه.
أما صورة بيئة المقاومة التي دأب إعلام «حزب الله» على العناية برواية واحدة عنها، هي الصمود والتجرؤ والاحتفال الدائم والتعالي عن صغائر الدنيا من أرزاق وأبناء، لصالح الخير الأعلى وهو النصر الإلهي، كل هذه الصورة خرقتها بضعة فيديوهات لناشطين جنوبيين نقلوا بالفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لنزوح كبير من القرى الجنوبية، تحسباً لاتساع رقعة المواجهة وتدحرجها نحو الحرب. فيديوهات حطمت «الرواية الرسمية» المصممة بعناية، والممسوكة بعصب تعبوي شاهدنا بقاياه عبر قناتي «المنار» و«الميادين»، وفي الاحتفاليات المنظمة في الضاحية الجنوبية لبيروت. غير أن ما علق في الأذهان هي تلك الأشرطة القصيرة التي أظهرت الرعب الطبيعي للناس، من حرب تلوح في الأفق، وأهوال تلح في الذاكرة. صورة صفوف السيارات الطويلة تُقاد بتوتر واضح والمطاعم التي فرغت من روادها، انتشرت كالنار في الهشيم، وبدت نصاً بصرياً أكثر حيوية وصدقاً من بلادة الكلام المكرر والمعلب، على ألسنة من استصرخوا عند الحدود.
أما الصورة الثالثة التي أصابتها شظايا العملية الأخيرة لـ«حزب الله»، فهي صورة «توازن الرعب» التي دأب «حزب الله» على الترويج لها، منذ انتهاء الأعمال الحربية صيف عام 2006، وامتناعه مُذَّاك على التورط في مواجهة جدية مع إسرائيل.
الحقيقة أن توازن الرعب ليس سوى شعار معلب آخر. لا يختلف اثنان على أن لـ«حزب الله» القدرة على إيذاء إسرائيل في أي حرب مقبلة. ولا شك أن ترسانته تطورت كماً ونوعاً، غير أن القفز من هنا إلى معادلة توازن الرعب، هو قفز هائل فوق وقائع ومحددات كثيرة. توازن الرعب المزعوم لم يردع إسرائيل عن المجازفة بضرب إيران وأذرعها في سوريا والعراق ولبنان، ضربات فيها كثير من المغامرة والتجرؤ على ما يسمى قواعد الاشتباك، ومن دون حسابات كثيرة، والأرجح أنها ستستمر بذلك وأكثر.
وصلت إسرائيل إلى قلب الضاحية، ورد «حزب الله» رداً شديد التواضع، وبمثل هذا التواضع سيتعامل مع معادلة الخرق الجوي، حتى ولو طال مسيّرة أو أكثر؛ لأنه لن يستطيع تغيير مسار الأمور.
«حزب الله» يخسر حرب الرواية رويداً رويداً، وهذا أخطر عليه من خسارة مواجهة هنا أو مواجهة هناك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حزب الله» تفسخ الصورة «حزب الله» تفسخ الصورة



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt