توقيت القاهرة المحلي 14:10:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

  مصر اليوم -

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

مرّ زمنٌ طويل لم تُدرس فيه الحركة الأصولية في ليبيا بالشَّكل المطلوب. سنوات من الارتباك بالتعامل معها؛ تارة بالتَّعتيم على أنشطتها، وتارات أخرى بالتصالح معها وامتطائها سياسياً بغية الكسب الشعبي، لاحقاً بانت خطورتها، وظهر أثرها الكارثي الذي تعيشه ليبيا الآن.

علّمنا التاريخ أنَّ هذه الجماعات تعتاش على تحالف الآيديولوجيا مع الأفكار القبلية والنعرات العنصرية، من هنا تبدأ الإشكالية الكبرى خصوصاً في التأجيج المجتمعي، بغية تغيير الجغرافيا والتأثير على المسار السياسي.

هذه هي طبيعة الحركات الأصولية التي تنتهج هذا الأسلوب خصوصاً في مجتمع قبليّ مثل ليبيا؛ إذ تتخذ هذه الجماعات المارقة من القبائلية رافعة لها من أجل التغذّي على المدد المعنوي واللعب على أوتارٍ حساسة يمكنها أن تُطيل من قدراتها الحركيّة والسياسية والاجتماعية والمالية.

لذلك سعدتُ بقراءة كتاب: «ليبيا ما بعد الكرامة: الإسلام السياسي والقبيلة الحدودية وسلاح التدين الإداري»، الصادر قبل أيام عن مركز المسبار للدراسات والبحوث.

افتُتح الكتاب بدراسة قدّمها الباحث الليبي عبد القادر أرحيم عن تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في ليبيا، مشيراً إلى أن ظهور «داعش» وتوسعه بدءاً من أبريل (نيسان) 2014 شكَّل تحوّلاً استراتيجياً، إذ انتقل التنظيم من مجرد واجهة رمزية إلى كيان عسكري وإداري فعليّ، بلغ ذروته بالسيطرة على مدينة سرت وإعلانها عاصمة لـ«ولاية برقة»، محاكياً نموذج «الخلافة» المزعومة في العراق وسوريا.

الباحث الجزائري حكيم غريب تناول موضوع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا متتبّعاً مسارها السياسي والتنظيمي؛ إذ صعدت إلى الواجهة بعد 2011، واستغلّت هشاشة الدولة والصراع المسلح لبسط نفوذها على مراكز اتخاذ القرار عبر أدوات سياسية وإعلامية وعسكرية. وأسَّست حزب العدالة والبناء؛ خاضت به انتخابات يوليو (تمّوز) 2012، ثم أثّرت في المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت آنذاك). إلى أنْ اندلع الصراع بين حكومتَي الشرق والغرب عام 2014، ومع دخول ليبيا مرحلة وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة الوحدة في 2020 أعادت الجماعة موضعة ذاتها، فزعمت حلّ جماعة الإخوان! وتحويلها إلى جمعية الإحياء والتجديد في يونيو (حزيران) 2021؛ لترسيخ تحالفات الحماية، ودعم صلاتها الإقليميّة.

الباحث ماهر فرغلي تناول سيرة وتحوّلات عبد الحكيم بلحاج، بوصفه نموذجاً حياً لتقاطع العمل العسكري والطموح السياسي في السياق الإسلاموي الليبي. يبدأ الباحث عرض خلفية بلحاج الفكرية والتنظيمية الذي شارك في تأسيس تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة، وسافر أواخر الثمانينيات إلى أفغانستان للتدرب والقتال ضد السوفيات. وبعد عودته مطلع التسعينات، قاد تمرداً مسلَّحاً ضد النظام، قبل أن يُعتقل ويقضي سنوات في سجون القذافي حيث أعلن مراجعة فكرية زعمت فك الارتباط بالعنف. غير أن الدراسة توضح أنّ مراجعات بلحاج بدت وكأنها إعادة تموضع تكتيكية.

بيد أن فكرة انتقال العنف الجهادوي إلى السياسة لا تعدو العودة إلى المربع الإخواني الصرف! وهو المربع الذي يحظى بدعم من محور إقليمي؛ غطَّته دراسة الباحثة فاطمة الزهرة مسعودي التي لاحظت ارتباط التيار بالمنطقة الغربية.

ولفهم خريطة التيارات الدينية، كتب إبراهيم بلقاسم، مُسلّطاً الضوء على ظاهرة تمدّد التيار المدخلي خلال السنوات التي أعقبت سقوط القذافي. ينطلق الباحث من تتبع تاريخي لبروز «المدخلية» في ليبيا، موضّحاً أنّ هذا التيار ذا المرجعية المحافظة الموالية ظهر بشكل غير بارز قبل 2011، ويبوّب بذلك إنشاء كتيبة «سبل السلام»، التي انتشرت حتى منطقة الكفرة وما حولها، متأمّلاً تزاوج الولاء القبلي والعقيدة السلفية، ومبيّناً أنّها مثَّلت خلطةً نافعة للجيش الوطني لأنها صبّت في توجه، جعل الكتيبة ضمن هيكله الأمني، مما عزَّز نفوذ المدخليين في الجنوب.

تُختتم بحوث الكتاب بدراسة أميرة محمد عبد الحليم، التي تقدِّم منظوراً مغايراً عبر التركيز على واقع التيارات الصوفية في ليبيا ودورها التاريخي والسياسي. تبدأ استعراض تاريخ التصوف في ليبيا، فتذكر تنكّر القذافي للتصوف، بسبب انقلابه على السنوسية والملك إدريس السنوسي (1951-1969)، ملاحظةً أن رحيل نظام القذافي كان مناسباً لإعادة وضعها في المشهد.

الخلاصة؛ أن التجربة الليبية مع الحركة الأصولية دُرست أخيراً بهذا الكتاب القيّم، ثمة تجارب عديدة لمجتمعاتٍ أخرى ذاقت الأمرَّين، ولكن لم يسلّط عليها الضوء. مجتمع محبّ للعلم والحياة والدنيا مثل المجتمع الليبي أرهقه النفوذ الأصولي، ودمّر بنيته الاجتماعية بسبب استغلاله الصراع القبلي، وتشتيته قيمة التنوع المجتمعي؛ إنها مبادرة ضرورية لبحث تجارب المجتمعات كلها مع الأصوليين بغية فهم العلاقات والتناقضات السياسية والاجتماعية والمذهبية والقبلية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية



GMT 07:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

GMT 07:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 07:52 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 07:50 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 07:48 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 07:47 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

فلسطين... للفصائل وقت وللشعب كل الوقت

GMT 07:44 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أشباح وأرواح يوسف شاهين

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي

GMT 05:28 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ملابس محجبات للممتلئات مستوحاة من المصممة مروة حسن

GMT 14:13 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

رشا السباعي تهنئ ملكة جمال لبنان وتدافع عن عمرو دياب

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ريال مدريد الإسباني يفوز على روما الإيطالي بثلاثية

GMT 09:48 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

تعرفي على طريقة عمل سمك مشوي بالخضار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt