توقيت القاهرة المحلي 04:17:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تطهير بخاخة المُطهِّر

  مصر اليوم -

تطهير بخاخة المُطهِّر

بقلم:بكر عويضة

بكل تأكيد، السخرية ليست مقصد العنوان أعلاه - أعود إلى قصته لاحقاً - فالأمر لا يحتمل أي هزل، إذ واضحٌ أن العالم أجمع بلغ حداً من الخوف لم يعد ممكناً معه الخوض في أي موضوع غير «كورونا»، وبوسع كل ذي سمع وبصر أن يلاحظ كيف أن أهل الأرض صاروا يُمسون وقد غشاهم هلع، ويصبحون، إذا أفاقوا، مذعورين، يتفقد كل واحد منهم، ومنهن، ماذا لمس، أين وضع الكف، وأي جزء من الجسم تحسس باليد، وهل نسي فصافح أحداً، أو عطس قريباً منه بشر، كي يسارع إلى بخاخة المطهّر، إذا كان المرء سعيد الحظ فوجد واحدة منها، آملاً ألا ينتهي مخزونها أبداً، ما بقي شبح ذلك الفيروس الغامض يتنفس بأي مكان على سطح كوكب لم يشهد مثيلاً لما أوجد من رعب.
هل قلت إن الرعب غير مسبوق؟ نعم. قول غير صحيح. الواقع أن البشر مروا عبر القرون بعصور شهدت انتشار أكثر من وباء أزهق أرواح ملايين الناس، وقد سبق أن تناول عدد من كتّاب «الشرق الأوسط» وكاتباتها تلك الأوبئة الفتاكة بشرح مفصّل. لكن ذاك زمن لم يكن العالم خلاله مترابط الأوصال من خلال خيوط شبكة الإنترنت. عندما تفشّت الإنفلونزا الإسبانية، أو الطاعون الأسود، أو الكوليرا، لم تكن هناك فضائيات، ولا منصات تواصل تبث ما قد يصدق من معلومات، وما يزُيّف، ولذا لم يكن الخوف يدب في عروق البشر، بسرعة البرق، فيسري في الشرايين كأنه نمل يعرف بالضبط كيف يسرق النوم من أبناء وبنات آدم وحواء، بلا تفريق بين عرق أو لون أو جنس، أو دين. بل وحتى أمس قريب، لم يحدث مثل هذا الرعب إزاء إنفلونزا الطيور، أو غيرها من أشكال الإنفلونزا، سواء العادية، أو الخطرة.
أيعني ما سبق تحميل ثورة وسائل الاتصالات، تحديداً، مسؤولية نشر الخوف بين البشر على نحو غير مسبوق؟ كلا، ليس بإطلاق. ونعم، جائز القول إن تطور أدوات التواصل الإعلامي أوصل إلى تسريع توصيل المعلومات للجمهور المُستهدَف، صحيحها من جهة، وكاذبها في الجهة المقابلة، ما أدى بدوره إلى رفع مستوى انتشار الهلع بين سكان الأرض بشكل تجاوز كل الحدود والتوقعات. ضمن هذا السياق، يتحمل أسلوب وغرض استخدام ثورة الاتصالات، وليس الثورة ذاتها، من قِبل أطراف ذوي أجندات محددة الأهداف، بعض المسؤولية، ليس فيما يتعلق بالأمراض فحسب، وإنما أيضاً في تعميم الرعب الذي يعمّ أرجاء الكوكب فجأة، ثم يهدأ إلى حين، إزاء قرب انفجار حرب كونية نووية، وكذلك بشأن إرهاب التطرف، خصوصاً بعد جرائم 11-9-2001 على وجه التحديد.
أين الخطأ، إذا وُجِد، في هكذا تعامل مخيف مع اكتشاف فيروس قاتل، كما «كورونا»؟ بدءاً، معروفٌ أن الخوف ذاته، لأي سبب، يُحتمل أن يقتل. تزداد خطورة الاحتمال بين كبار السن تحديداً، وتزيد أكثر إذا كانوا يعانون متاعب صحية خطيرة، كأمراض القلب، مثلاً، أو أي من أشكال السرطان. عندما تبث وسائل الإعلام، طوال النهار والليل، على مدار الأربع والعشرين ساعة أنباء انتشار الوباء عالمياً بشكل سريع، ما الذي يُتوَقَع من قلب مريض يعاني من بطء أو تسارع خفقان القلب، وربما كليهما؟ نعم، كل فيروس خطير، «كورونا» أو غيره، حدث ليس ممكناً، وليس مقبولاً، غض النظر عن لفت أنظار الناس إلى خطورته وضرورة الأخذ بأسباب الوقاية منه. إنما، لفت النظر على النحو المرعب، كما حصل في الأسابيع الأخيرة، غير مسبوق إطلاقاً، ومن ثمّ ليس من السهل إغماض العينين، وإغلاق الأذنين كلياً، بغرض تجاهل وجهات نظر ترى أن هذه المبالغة ليست بريئة تماماً.
ما الهدف إذنْ؟ الإنترنت مليئة بالنظريات، السخيف منها والممكن التأمل في احتمالاته، خصوصاً ما يشير إلى التبعات الاقتصادية لما جرى، وما سوف يجري لاحقاً. يبقى أن أختم بقصة عنوان المقال. جاري ذاته، الذي أشرت إليه هنا الأربعاء قبل الماضي، فوجئت به يسألني: هل تطهر بخاخة المطهّر؟ سألت: ماذا تقصد؟ أجاب: الأفضل أن تبخ منها سطح كفيك، فتمسح بهما البخاخة أولاً، وتستخدمها من جديد. هززت رأسي مبتسماً، ثم بيني وبين نفسي رددت: بَخٍ بَخٍ. مع ذلك، سرعان ما قررت الأخذ بنصيحته، إذ من يدري، لعله على صواب. حقاً، إلى أين ستوصل العالم بارانويا «كورونا»؟ العلم عند عالم الغيب وحده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تطهير بخاخة المُطهِّر تطهير بخاخة المُطهِّر



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt