توقيت القاهرة المحلي 02:01:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النكبة كماضٍ مضارع

  مصر اليوم -

النكبة كماضٍ مضارع

بقلم : فاتنة الدجاني

 يحيي الفلسطينيون بعد غدٍ الذكرى السبعين للنكبة، ولسان حالهم يقول: لا، ليست ذكرى. إنها واقع يومي من النكبات المتواصلة منذ 70 سنة! وسيستشهدون بأحدثِها، نكبةِ افتتاح مقر السفارة الأميركية في القدس عشية هذه «الذكرى». فكأنما المقصود «رشُ الجرح بالملح».

استعادة المأساة محددة بتاريخ 15 أيار (مايو) 1948، تكاد تغيّب حقيقة أن هذا التاريخ لم يكن سوى علامة فارقة، وكبيرة بلا شك، في سلسلة النكبات التي يولّدها المشروع الصهيوني، كاستيطان إحلالي، إلى يومنا هذا. وبمقدار ما النكبة ماضٍ، هي حاضرٌ مستمر بكل أدوات العسف الاحتلالي التي تحاول عبثاً اجتثاث شعب عريق ومتجذّر في أرضه ووطنه.

كيف تتجدد النكبة وتتوالى؟ بالتأكيد حين تحظى بكل الرعاية الدولية، سواء بالدعم العسكري والمالي، أو بالسياسي والديبلوماسي في المنابر الدولية ومنظماتها. وما الصمت عن مطالبة إسرائيل بعضوية مجلس الأمن، وهو أمر غير مستبعد مستقبلاً، والتغاضي عن جرائم الاحتلال، والإعلانُ جهاراً أن «أمن إسرائيل» أولوية، سوى بعضٍ من هذه الرعاية.

ليست الرعاية فحسب، بل تستفيد إسرائيل من خبرات الاستعمار الغربي (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا أساساً، وبدرجة أقل إسبانيا وإيطاليا) في تعامله مع الشعوب المستعمَرة، من استيطان وجرائم ومجازر. لا ننسى استنساخ المشاريع السياسية أيضاً، مثل الحكم الذاتي أو الإدارة المدنية، وحتى المفاوضات. لكنّ جنوب أفريقيا وتجربتها في حكم التمييز العنصري، تبقى الأقرب زمنياً حيث التطابق كبير في كثير من الأوجه مع تجربة الاحتلال الإسرائيلي إزاء الفلسطينيين.

وبعيداً من الأدبيات التي تتناول إسرائيل كوكيل استعماري يبقي المنطقة تحت التهديد الدائم ويحرمها من التطور الطبيعي، وهي صحيحة في استنتاجاتها، فإن الإشكالية الحقيقية هي أن الدولة العبرية عاجزة في تكوينها عن أن تكون جزءاً طبيعياً من المنطقة. يتكرّس هذا بإصرارها على «يهودية الدولة»، ووصولها إلى أقصى سقف لها كوطن جاذب لليهود من حول العالم. والدليل أنها لم تنجح سوى في جذب الفئات المسحوقة من التجمعات اليهودية في أوروبا البيضاء، ثم المتهوّدة، مثل الـ «فلاشا» من فقراء إثيوبيا في أفريقيا السوداء.

قلقُ إسرائيل على وجودها، ومن ثم استمرارية عسكرتها وعدوانها وتآمرها، يجدان أوضح دليل لهما في النقاشات التي تدور في مؤتمر هيرتسيليا السنوي. هنا، أيضاً تتبدى بين السطور طموحات المخططين الاستراتيجيين وأطماعهم في المنطقة. هذا ليس تفسيراً تآمرياً للتاريخ، ولا استعادة لـ «بروتوكولات حكماء صهيون»، بل وثائق مؤتمر بسلطة مرجعية.

وصمود الشعب الفلسطيني، رغم النكبات التي تصنعها إسرائيل، يكرّس حقيقة استحالة تحقق المشروع الصهيوني الذي يرد بالمزيد من التوسع والحروب للخروج المستحيل من حال القلق، وفق مؤرخين لـ «ما بعد الصهيونية». فالفلسطيني مستحيل أن ينسى حقه في العودة، كما يستحيل بالنسبة إلى الإسرائيلي أن يخلع عنه الإحساس بانعدام الأمان.

أما إحياء «ذكرى» النكبة، في الأدبيات العربية، كأنها مجرد ماضٍ أليم، ففيه تغييب للفعل العدواني المستمر لإسرائيل على البلاد العربية المجاورة (دول الطوق)، أو في شكل غير مباشر على تلك الأبعد. وإضافة إلى العدوان العسكري الدوري الكبير كل عقد تقريباً منذ عام 1948، هناك العصا الإسرائيلية لتعطيل عجلة أي تحرك عربي نهضوي جدي. وهي بحكم دورها في المنطقة في ارتباطه بالأطماع الغربية، قادرة على فعل ذلك. لذا، تطرح إسرائيل نفسها كقوة إقليمية وحيدة، وقاطرة لأي تقدم مقترح، سواء تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد أو التعاون الإقليمي، من دون أن ترى ضرورة لتقديم أي تنازل في تسوية للصراع العربي - الإسرائيلي. وقراءة نتائج اتفاقات السلام مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، تقدم درساً تاريخياً للمنطقة.

بعد سبعين سنة، النكبة ليست ذكرى. أما التمادي الإسرائيلي في العدوان والخداع والمكابرة ورفض منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، فإنما يجعل النكبة ماضياً مضارعاً.

نقلا عن الحياة اللندنية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النكبة كماضٍ مضارع النكبة كماضٍ مضارع



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt