توقيت القاهرة المحلي 05:02:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفوضى في فرنسا

  مصر اليوم -

الفوضى في فرنسا

بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

بين الفوضى وفرنسا قصة طويلة، وكأن مدينة الأنوار باريس باتت تعشق الفوضى والتخريب أكثر من الأضواء، وما ذاك إلا لتراكمات طال أمدها ولم تلتق بعد بالحلول الناجعة ولا الأفكار الخلاقة القادرة على إخراجها منها بسلام. فرنسا التنوير الأوروبي والعالمي تعاني في هويتها وقوتها وصورتها أمام نفسها وأمام العالم، وأصبحت شوارعها تزدحم بالمظاهرات وأعمال الشغب والسرقات والتخريب والتدمير من شعبها ومواطنيها ومن رجال الأمن فيها، لا بأيدي غرباء ولا بفعل أعداء، لا حوادث فردية منعزلة، بل كنهجٍ ثابتٍ ومستمرٍ منذ عقودٍ لا يكاد يهدأ حتى يتصاعد مجدداً. الأحداث التي تعيشها فرنسا منذ أسبوعٍ تقريباً أصبحت تشبه المشهد المتكرر كل بضعة أشهرٍ يخرج الناس لأسباب مختلفة ويتظاهرون ويحتجون، ثم لا تلبث المظاهرات أن تتحول لأعمال شغبٍ وهكذا دواليك، ومع تعاقب الرؤساء وتبدل الوزراء وتغير الحكومات فلا أحد استطاع كسر هذه الحلقة المفرغة من الفوضى التي تحاصرها في كل حينٍ.
قضايا كثيرة دفعت الأوضاع هناك إلى هذا السوء، وبعضها مشاكل داخلية، وبعضها توجهات وتيارات سياسية تصطرع وكتلٌ اجتماعية تتنافر، والمؤمنون بخرافة أن الديمقراطية حلٌ لكل شيء لا يستطيعون تفسير ظاهرة الفوضى في فرنسا، فالديموقراطية فيها ضاربةٌ بأطنابها دون شكٍ ولا ريبٍ، ومع ذلك فهي أدمنت الفوضى كما لم يدمنها بلد أوروبي آخر. للأوضاع الاقتصادية دورٌ مهمٌ، وحين انخرطت فرنسا مع أميركا ضد روسيا في الحرب الروسية الأوكرانية كانت تعلم أن ثمة أثماناً باهظة ستدفع وأبدت استعدادها للدفع، ولكنها ما لبثت بعد أن تركت الغاز الروسي أن بدأت تئن تحت قسوة غلاء الغاز الأميركي العابر للمحيط الأطلسي، وهو ما اشتكى منه بمرارةٍ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من مرة وبشكل معلنٍ.
«فرنسا التنوير» و«فرنسا الثورة»، خلفاً لـ«فرنسا الاستعمارية» التي بسطت نفوذها في مناطق واسعةٍ حول العالم وفي عدة قاراتٍ، وقد أورثتها مبادئ التنوير وأيديولوجيات الثورة وضرائب الاستعمار أن صارت محجاً للاجئين من شتى القارات، وقد استعصى هؤلاء اللاجئون على الاندماج داخل المجتمع الفرنسي بسبب منهم وبسبب من المجتمع الفرنسي نفسه، وعاش الملايين من المواطنين الفرنسيين من الأجيال الثانية والثالثة من أبناء المهاجرين في ضنك عيشٍ وضيق فرصٍ، وهذه واحدةٌ قادرةٌ دائماً على خلق الفوضى.
استقبلت فرنسا من العالم العربي والإسلامي، جماعات الإسلام السياسي ورموزها وفتحت لهم مجالاً رحباً للعمل ضد بلدانهم، واستخدمتهم كورقة ضغط سياسيةٍ، ولم تلبث هذه الجماعات أن نظمت نفسها وأصبحت تلاعب الدولة الفرنسية لعبة العصا والجزرة، ويتذكر كثيرون كيف لجأ الرئيس الأسبق ساركوزي إلى الأزهر في مصر ليساعده في حل هذا الجانب من معضلة فرنسا الدائمة، ولم يحقق نجاحاً كغيره ممن سبقه ولحقه. يتذكر الجميع ما جرى في أميركا بعد «مقتل فلويد» من قبل الشرطة الأميركية زمن الرئيس ترامب، وكيف تفشت الفوضى بكل أشكالها في شوارع ومباني وأحياء الولايات الأميركية ومدنها، وكانت مدعومة بشكل مباشرٍ من تيار اليسار الليبرالي هناك، وما إن سقط ترامب في الانتخابات حتى تلاشت تلك الفوضى.
هذا تذكير بالتشابه فقط بين المشاهد، حيث يمكن للفوضى أن تنتشر في أعتى الديموقراطيات، وبإمكان الدول العربية التي شهدت انتفاضات واحتجاجات واسعة إبان ما كان يعرف بـ«الربيع العربي» أن توجه خطاباتٍ لفرنسا تطالبها بضبط النفس وحرية التعبير واحترام الحقوق بوصفها مبادئ عامةً يتفق عليها البشر واستخدامها كورقة ضغط سياسية مباحٌ للجميع. أخيراً، فالفوضى شرٌ دائماً، أحَدثت في فرنسا أم في دول العالم الثالث، والاكتفاء بالوعظ الأخلاقي لا ينجي منها دون التعمق في الأسباب والنتائج واختراع الحلول الخلاقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفوضى في فرنسا الفوضى في فرنسا



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt