توقيت القاهرة المحلي 03:16:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تركيا والأرمن... من «الإبادة الجماعية» إلى «الحرب»

  مصر اليوم -

تركيا والأرمن من «الإبادة الجماعية» إلى «الحرب»

بقلم :عبدالله بن بجاد العتيبي

منطقة الشرق الأوسط واحدةٌ من أكثر مناطق العالم صراعاتٍ ونزاعاتٍ سياسية ودينية ومذهبية وعرقية، وهو مؤشر على حجم التخلف الحضاري السائد، وبينما تسعى الدول العربية إلى النهوض الحضاري والتخطيط للمستقبل والبناء والتنمية والمنافسة الدولية، فإن بعض دول المنطقة تمتلك مشاريع كبرى للتخلف الحضاري ونشر الفوضى ودعم الإرهاب، وعلى رأسها المشروع الطائفي الإيراني والمشروع الأصولي التركي.
قبل ما يقارب الأسبوع اندلع مجدداً أحد الصراعات الكامنة في المنطقة بين دولة أذربيجان ودولة أرمينيا، هذا النزاع الذي لم ينتهِ بعدُ منذ ثلاثة عقود، وإن كان أعمق تاريخياً، ومن دون الدخول في تفاصيل هذا النزاع طويلة الذيل وواسعة التشعب، فإن أخبار هذا النزاع باتت تتصدر عناوين الأخبار حول العالم، ويترقب الجميع ما ستؤول إليه الأمور هناك. والخشية هي من امتداد الصراع بين دولتين إلى حربٍ إقليمية مشتعلة تزيد المشهد المعقد تعقيداً.
إحدى الحقائق الظاهرة في هذا النزاع المسلح الخشن بين الدولتين هو الدعم التركي غير المحدود لأذربيجان، وبالطرق التركية التي باتت معروفة؛ دعم إحدى الدولتين ضد الأخرى بالأسلحة والتقنيات الحديثة، وربما التدخل العسكري المباشر لاحقاً، وكذلك إرسال «المرتزقة» من سوريا إلى أذربيجان بعدما حوّلت هؤلاء السوريين المغلوبين على أمرهم إلى ميليشيات مرتزقة ترسلهم تارةً إلى ليبيا وأخرى إلى أذربيجان في لعبةٍ غير نظيفة، يبدو أنها راقت لصانع القرار في أنقرة، ليثبت أنه «الخليفة» العثماني القادم، كما هو حلمه العجيب المعلَن.
معروف تاريخياً الكمّ المهول والمؤلم من المذابح التي ارتكبتها تركيا ضد الأرمن المساكين، مذابح تعترف بوحشيتها وقسوتها كثير من دول العالم، وفيها من المآسي ما تخلده ذاكرة الأرمن وأدبهم وثقافتهم، ويتعاطف معهم فيها كثير من المؤسسات والجمعيات حول العالم، وتنكرها تركيا. وهذه المذابح ارتكبها العثمانيون والأتراك في لحظات متفرقة من التاريخ الحديث تحت شعاراتٍ عرقيةٍ ودينيةٍ، تمثل ما يسميه الكتاب المعروف أمين معلوف بالهويات القاتلة.
بدلاً من أن تعتذر تركيا عن مذابحها السابقة، خصوصاً بعدما أقر الكونغرس الأميركي العام الماضي بـ«الإبادة الجماعية للأرمن» من قِبَل العثمانيين في العشر الثانية من مطلع القرن العشرين قبل سقوط الخلافة العثمانية، نراها تتجه لارتكاب مذابح جديدةٍ، ولكن هذه المرة تحت أسباب أخرى ومطالب للدولة الأذربيجانية.
ليس من مقصود هذا السياق إصدار حكمٍ في نزاعٍ سياسيٍ متشعب، ولكنه مجرد تذكير بخطورة الدور التخريبي الذي تلعبه القيادة التركية في المنطقة، فلم ينسَ أحدٌ الدعم غير المحدود الذي قدّمته تركيا لتنظيم «داعش» الإرهابي، وتصدير النفط السوري والعراقي من المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم الإرهابي في الدولتين إلى الأسواق العالمية، وبصفقاتٍ تفوح بالفساد الذي يطوق رقاب بعض المسؤولين الأتراك.
في سوريا، قدّمت تركيا نفسها كداعمٍ ومنقذٍ للشعب السوري من جيشه وقيادته السياسية التي كانت تقتله بلا حسابٍ، ثم اتضح أن الهدف التركي هو السيطرة على شمال سوريا وتحويل الشباب السوري إلى جيشٍ من الميليشيات المرتزقة، الذين تستغلهم تركيا في طموحاتها التوسعية في البلدان العربية وبلدان الشرق الأوسط عموماً، كما اتضح في هذا النزع الأذربيجاني الأرمني.
في العراق تدخلت تركيا بجيشها وقواتها المسلحة في شمال العراق تحت ذريعة ملاحقة أفراد حزب العمال الكردستاني؛ فانتهكت السيادة العراقية على مرأى ومسمع العالم، والأخطر من سوريا والعراق ما صنعته في ليبيا واحتلالها الفج والفاقع لغرب ليبيا، والطمع التركي الفاضح في ثروات النفط والغاز الليبي، وكذلك ما صنعته في شرق المتوسط من مخالفاتٍ صريحةٍ لكل القوانين الدولية التي تحكم علاقات الدول وترسم الحدود البحرية حول العالم.
خسر الرهان التركي الفج في ليبيا، كما خسر في محاولة السطو على نفط وغاز شرق المتوسط، واضطرت للانسحاب تحت ذرائع باهتة، ولكنها انسحبت من البحر الأبيض المتوسط بعد فشل مغامرتها.
يتذكر التاريخ البشري في الشرق والغرب كيف أن بعض القيادات تجترح المغامرات غير المحسوبة، وتستنزف قدرات وإمكانيات بلدانها في سبيل أمجادٍ شخصيةٍ أو أوهامٍ غير واقعية، والسياسات المسيطرة على صانع القرار التركي منذ سنواتٍ طويلة توضح كيف تم تدمير الاقتصاد التركي وانهيار العملة التركية، وبعدما لم يعد بالإمكان الاستفادة من قوة الاقتصاد الذي ضعف، جرى اللجوء إلى القدرات العسكرية والجيش التركي، وإدخاله في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، بل لمجرد أنه الشيء الوحيد الباقي الذي يمكن المناورة به، وإن أدى ذلك لإضعافه، وهذه سياسة الهروب إلى الأمام وسياسة الاضطرار.
حفظ التاريخ «التهجير القسري» الذي اتبعته تركيا ضد المدنيين الأرمن، و«الإبادة الجماعية» في سلسلة من المذابح والمجازر، وسيحفظ التاريخ الاستهداف التركي اليوم للشعب نفسه والأمة ذاتها، والعداء الدائم من تركيا لهذه الدولة وشعبها، وكم كان الحل سهلاً لو اعتذرت تركيا وقامت بتطبيع العلاقات مع أرمينيا، ولكن لا يستطيع تجاوز إحن التاريخ وضغائن الماضي سوى القادة الاستثنائيين، ولا يبدو المشهد التركي قادراً على تقديم أحدهم في هذه المرحلة المهمة من التاريخ في منطقة الشرق الأوسط.
لا يشبه مذابح الأتراك للأرمن إلا «الهولوكوست» والإبادة الجماعية التي ارتكبتها النازية ضد اليهود، والفرق هو أن الأرمن مستضعفون ودولتهم صغيرة، ولم يستطيعوا تصعيد قضيتهم دولياً بما يجبر تركيا على الاعتذار لهم ودفع تعويضاتٍ سياسية وثقافية واقتصادية لمسح ذلك الجزء الأسود من تاريخها.
كان «التهجير القسري» و«ارتكاب المذابح» جزءاً من سياسة العثمانيين والأتراك، ويتذكر الباحث والمتابع ما صنعه السفاح التركي المجرم فخري باشا في جريمته التاريخية «السفر برلك» بأهل المدينة المنورة، حيث لم تتبق جريمة لم يرتكبها ضد المدنيين من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، ما يثبت أن مذابح الأرمن هي مجرد نموذجٍ لسياسة تركية واسعة في تلك الفترة الزمنية.
أخيراً، فإيران وتركيا دولتان تنشران الفوضى وتدعمان استقرارها في الدول التي تدخلت هاتان الدولتان فيها، وهما تدعمان الإرهاب وتنشران الميليشيات وتنقلان المرتزقة، والخطر الكبير هو تحويل النزاع الأذربيجاني الأرمني إلى حرب إقليمية ساخنة تضاف إلى كل الصراعات والحروب القائمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تركيا والأرمن من «الإبادة الجماعية» إلى «الحرب» تركيا والأرمن من «الإبادة الجماعية» إلى «الحرب»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt