بقلم: د. محمود خليل
فى رواية السكرية للمبدع «نجيب محفوظ» أخذت العالمة الشهيرة «السلطانة زبيدة» العجوز الطاعنة فى السن تسترجع أيام السيد أحمد عبدالجواد وأمامها ولده الأصغر «كمال عبدالجواد»، وقد جلس مثل التلميذ -وهو الخوجة المعلم- يتعلم من زبيدة وهى تسخر منه ومن أيامه وأيام جيله عندما تقارنها بأيامها الخوالى، حين كان الغناء من دم ولحم، فى حين أمسى حديداً وأسطوانات فى تلك الأيام، وكان الجنيه «ذهباً حقيقياً» ولم يكن مجرد ورقة مطبوعة كما أمسى بعد ذلك.
الدنيا تتطور والزمان يختلف. وها هو البنك المركزى يعلن عن نيته إصدار «فلوس بلاستيك» من فئة العشرة جنيهات. زمان كانت النقود تُصنع من المعادن النفيسة، وكانت العملة تحمل قيمتها فى ذاتها، وليس من خلال إسناد أو سندات بنكية. كان الدينار ذهباً والدرهم فضة كما تقول الكتب التى حكت عن تاريخ العرب. وفى مصر ظلت العملة المعدنية هى السائدة والمسيطرة حتى أوائل نهايات القرن التاسع عشر. وكان على رأسها من حيث القيمة «زر المحبوب» وهو الجنيه الذهب العثمانلى، وكانت الفضة وأنصاف الفضة هى العملة المتداولة فى البيع والشراء، وظل الأمر هكذا حتى ظهر الجنيه الورق أواخر القرن الـ19.
وفى أغلب الأحوال تعبر المادة التى تُصنع منها العملة عن قيمتها الاقتصادية والشعبية. فأيام الجنيه الذهب كانت القيمة كل القيمة له، وقد أطلق عليه المصريون «المحبوب». وهل هناك أحب إلى البشر من الذهب؟! وبعد تحول مادة الجنيه إلى الورق ظل يحتفظ بقيمته ردحاً من الزمن، وظلت العملات المعدنية تعمل إلى جواره، حتى بعد قيام ثورة يوليو 1952. وهواة جمع العملات يتذكرون القرش الأحمر الموروث عن عصر السلطان حسين كامل وتتصدره صورته، و«النص فرنك» والريال (هل تذكر أغنية معانا ريال فى فيلم ياسمين) و«النص ريال». أصبح الورق فى ذلك الزمان يحمل قيمة أكبر من المعدن الذى يُصنع منه القرش وما هو أقل من الجنيه، وبمرور الوقت بدأ الجنيه ينزل من عرشه الورقى ليصبح مثله مثل القرش المعدنى، فصُنع هو الآخر من المعدن. والآن أصبح التوجه إلى العملة البلاستيك وباكورتها «العشرة جنيه».
وقبل أن ينزل الجنيه عن عرش الورق تفنن المصريون فى إنتاج الأوصاف التى تعبر عن قيمته، فأطلقوا عليه «اللحلوح» لقدرته على لحلحة الأمور، «واللمون» إشارة إلى أنه لا يحتمل سوى «عصرة» واحدة، و«الأرنب» لسرعة قفزه من الجيب، وانتشر المثل الذى يقول «الجنيه غلب الكارنيه» على ألسنتهم، إشارة إلى القوة السحرية التى يملكها الجنيه والقادرة على هزيمة ما عداه من قيم. اختلف الأمر بعد ذلك مع ميلاد الجنيه المعدنى، فأصبحت هذه الأوصاف والعبارات جزءاً من الذاكرة الشعبية ليس أكثر، بعد أن بات الجنيه مثل القرش عاجزاً عن فعل أى شىء، بل ولم يعد «محبوباً» كما كانت الحال أيام الجنيه الذهب.
السلطانة زبيدة فى رواية السكرية كانت سابقة لعصرها عندما سخرت من الجنيه الورق وترحّمت على أيام «الذهب». ولست أدرى ماذا كانت ستقول لو عاشت عصر «العشرة جنيه» البلاستيك.