توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السلطانة «زبيدة» و«العشرة البلاستيك»!

  مصر اليوم -

السلطانة «زبيدة» و«العشرة البلاستيك»

بقلم: د. محمود خليل

فى رواية السكرية للمبدع «نجيب محفوظ» أخذت العالمة الشهيرة «السلطانة زبيدة» العجوز الطاعنة فى السن تسترجع أيام السيد أحمد عبدالجواد وأمامها ولده الأصغر «كمال عبدالجواد»، وقد جلس مثل التلميذ -وهو الخوجة المعلم- يتعلم من زبيدة وهى تسخر منه ومن أيامه وأيام جيله عندما تقارنها بأيامها الخوالى، حين كان الغناء من دم ولحم، فى حين أمسى حديداً وأسطوانات فى تلك الأيام، وكان الجنيه «ذهباً حقيقياً» ولم يكن مجرد ورقة مطبوعة كما أمسى بعد ذلك.

الدنيا تتطور والزمان يختلف. وها هو البنك المركزى يعلن عن نيته إصدار «فلوس بلاستيك» من فئة العشرة جنيهات. زمان كانت النقود تُصنع من المعادن النفيسة، وكانت العملة تحمل قيمتها فى ذاتها، وليس من خلال إسناد أو سندات بنكية. كان الدينار ذهباً والدرهم فضة كما تقول الكتب التى حكت عن تاريخ العرب. وفى مصر ظلت العملة المعدنية هى السائدة والمسيطرة حتى أوائل نهايات القرن التاسع عشر. وكان على رأسها من حيث القيمة «زر المحبوب» وهو الجنيه الذهب العثمانلى، وكانت الفضة وأنصاف الفضة هى العملة المتداولة فى البيع والشراء، وظل الأمر هكذا حتى ظهر الجنيه الورق أواخر القرن الـ19.

وفى أغلب الأحوال تعبر المادة التى تُصنع منها العملة عن قيمتها الاقتصادية والشعبية. فأيام الجنيه الذهب كانت القيمة كل القيمة له، وقد أطلق عليه المصريون «المحبوب». وهل هناك أحب إلى البشر من الذهب؟! وبعد تحول مادة الجنيه إلى الورق ظل يحتفظ بقيمته ردحاً من الزمن، وظلت العملات المعدنية تعمل إلى جواره، حتى بعد قيام ثورة يوليو 1952. وهواة جمع العملات يتذكرون القرش الأحمر الموروث عن عصر السلطان حسين كامل وتتصدره صورته، و«النص فرنك» والريال (هل تذكر أغنية معانا ريال فى فيلم ياسمين) و«النص ريال». أصبح الورق فى ذلك الزمان يحمل قيمة أكبر من المعدن الذى يُصنع منه القرش وما هو أقل من الجنيه، وبمرور الوقت بدأ الجنيه ينزل من عرشه الورقى ليصبح مثله مثل القرش المعدنى، فصُنع هو الآخر من المعدن. والآن أصبح التوجه إلى العملة البلاستيك وباكورتها «العشرة جنيه».

وقبل أن ينزل الجنيه عن عرش الورق تفنن المصريون فى إنتاج الأوصاف التى تعبر عن قيمته، فأطلقوا عليه «اللحلوح» لقدرته على لحلحة الأمور، «واللمون» إشارة إلى أنه لا يحتمل سوى «عصرة» واحدة، و«الأرنب» لسرعة قفزه من الجيب، وانتشر المثل الذى يقول «الجنيه غلب الكارنيه» على ألسنتهم، إشارة إلى القوة السحرية التى يملكها الجنيه والقادرة على هزيمة ما عداه من قيم. اختلف الأمر بعد ذلك مع ميلاد الجنيه المعدنى، فأصبحت هذه الأوصاف والعبارات جزءاً من الذاكرة الشعبية ليس أكثر، بعد أن بات الجنيه مثل القرش عاجزاً عن فعل أى شىء، بل ولم يعد «محبوباً» كما كانت الحال أيام الجنيه الذهب.

السلطانة زبيدة فى رواية السكرية كانت سابقة لعصرها عندما سخرت من الجنيه الورق وترحّمت على أيام «الذهب». ولست أدرى ماذا كانت ستقول لو عاشت عصر «العشرة جنيه» البلاستيك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلطانة «زبيدة» و«العشرة البلاستيك» السلطانة «زبيدة» و«العشرة البلاستيك»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt