بقلم: د. محمود خليل
المشهد الذى صنعه بعض أهالى إحدى قرى الدقهلية بالتظاهر والاشتباك ضد دفن طبيبة شهيدة بفيروس كورونا بمسقط رأسها مشهد شديد البؤس، أقول بعض وليس كل، لأن أهالى الدقهلية وغيرهم من المصريين فى المحافظات الأخرى لا يقبل ضميرهم بمثل هذا المشهد. تاريخ المصريين يقول إنهم ليسوا كذلك. يحكى «الجبرتى» أن الأهالى أيام طاعون 1791 كانوا ىدفنون موتاهم ولم يتركوا جثثهم فى الحوارى والأزقة، رغم أن ذلك كان يتم دون أية إجراءات احترازية، فما بالنا فى زمن كورونا الذى يلتزم الجميع بمراعاة كافة الاحترازات المطلوبة عند الدفن، ناهيك عن أن بعض الأطباء أكدوا أن العدوى لا تنتقل من متوفى إلى حى!.
بعض المشاركين فى المظاهرة أعربوا عن خشيتهم من العدوى. العاقل يفهم أن عليه أن يتخذ كل الاحتياطات والإجراءات الواجبة لحمايته ومن حوله من الفيروس، لكنه يستوعب أيضاً أن الحذر لا يمنع القدر. ولو كان الأمر بالاحتياطات لما سمعنا عن إصابة ولى عهد إنجلترا أو رئيس وزرائها أو بعض المسئولين فى دول أخرى عديدة بفيروس كورونا. هؤلاء الذين يجدون من يحيط بهم ويحاوط عليهم ويوفر لهم كافة الاحتياطات المطلوبة، ورغم ذلك أصيب من كان قدره الإصابة.
المشهد الذى صنعه بعض أهالى الدقهلية استدعى إلى ذاكرتى الآية الكريمة من سورة البقرة التى تقول: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ». يقول المفسرون إن الآية الكريمة تصف حال أهل قرية كان يضربها الطاعون من حين إلى آخر، وكانوا قد سمعوا أن أناساً من القرية سبق وهربوا أيام أحد الطواعين فنجوا بأنفسهم، فما كان منهم عندما وقع وباء جديد إلا أن خرجوا فى تظاهرة كبيرة تضم الآلاف من الأهالى هرباً من الموت بالطاعون. وبعد مسيرة طويلة وصلوا إلى أرض بعيدة آمنة من الوباء. وفى هذه اللحظة قضى الله تعالى عليهم الموت فماتوا جميعاً، ثم حدث أن شاءت القدرة الإلهية أن تبعثهم إلى الحياة مرة أخرى فاستيقظوا، وعاشوا عبرة لغيرهم ممن يظنون أن ثمة مهرباً مما كتبه أو قضاه الله على الإنسان. وثمة آية أخرى فى سورة البقرة أيضاً تستحق التأمل. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
قطاع لا بأس به من المصريين يصف نفسه بالتدين، وأحد جواهر التدين الإيمان بقوله تعالى: «قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا»، وتمثل قول النبى صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك». أظن أن أهل الدقهلية لا يرضيهم هذا المشهد البائس، ومؤكد أن من شاركوا فيه لو فكروا قليلاً فسيتعجبون من أمر أنفسهم ويسألون: جانا قلب نعمل كده إزاى؟!.