بقلم: د. محمود خليل
الهوس حالة تصيب المتدينين فتفقدهم القدرة على التمييز العقلانى بين الأفعال التى يرون أنها ذات الصلة بالدين أو تمثل تعبيراً عن التدين. وهى حالة مشتركة ما بين أصحاب المذاهب المختلفة. على سبيل المثال لو أنك تأملت ردود فعل أى من المسلمين الشيعة أو السنة نحو بعض الإجراءات الاحترازية التى اتخذتها الدول التى تحتضن مقدسات إسلامية لمنع انتشار مرض كورونا فستعرف أن الجميع فى «الهوس» سواء.
فى مدينة «قم» الإيرانية اتخذ قرار بمنع لمس الأضرحة المقدسة لدى الشيعة، فما كان من المهاويس إلا أن لعقوا الأضرحة بألسنتهم. وقف أحدهم أمام ضريح فاطمة المعصومة بنت موسى الكاظم وأخذ يلعق الضريح وهو يردد أنهم يقولون إن اللمس يؤدى إلى الإصابة بكورونا، أنا أريد أن أصاب بكورونا!. ووقف آخرون أمام أضرحة مقدسة أخرى يفعلون الشىء نفسه. أعلنت السلطات الإيرانية فيما بعد أنها ستعاقب من قاموا بذلك، لكن هذا لا يعنى بحال القضاء على حالة الهوس التى تفقد المتدين عقله. فالأمر يرتبط بثقافة متجذرة لدى الشخص. ولا أستبعد أن ملايين الإيرانيين لم يروا غضاضة فيما فعله لاعقو الأضرحة، ولم يكن لدى أى منهم شك فى أن الأئمة والأولياء الراقدين فيها قادرون على حمايتهم من كورونا وأبوكورونا وأمها.
لو عبرنا الخليج وانتقلنا إلى الضفة الأخرى من النهر، حيث الكعبة المشرفة التى تحتضنها مدينة مكة المكرمة فسوف نعاين مشهداً لا يقل إثارة عن المشاهد التى احتضنتها مدينة قم. فقد توقف الكثيرون أمام حالة الفراغ التى شهدها البيت الحرام، بعد أن تقرر إخلاؤه من الطائفين والمصلين، لأول مرة يرى المسلم المعاصر البيت الحرام خالياً من المعتمرين فى مثل هذا الوقت من العام. تفسيرات عدة ساقها البعض أمام هذا المشهد، أتت فى أغلبها محلقة بعيداً عن أرض الواقع. قليل من توقف أمام فكرة نهى الإسلام عن أن يلقى الإنسان بنفسه فى التهلكة. يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، أو أمام موقف عمر بن الخطاب حين رفض الدخول إلى المدينة المصابة بالطاعون. البعض علق على المشهد مؤكداً أنه يحمل دلالة على حدث جلل قادم، وكأنها المرة الأولى التى يخلو فيها البيت الحرام من الطائفين. فقد حدث ذلك عدة مرات على مدار التاريخ، وقد عاش البيت الحرام 20 عاماً كاملة دون الحجر الأسود، بعد أن سرقه القرامطة أيام أبى سعيد الجنابى وولده أبى طاهر سليمان، وتحول الحرم إلى ساحة حرب عام 1979 عندما احتله جهيمان العتيبى وأتباعه.
هذا النمط من التفكير لا بد أن يتحرر منه المسلمون، فالنفس البشرية هى أكبر مقدس فى الإسلام، وحمايتها ودفع أسباب الهلاك عنها أولى من أى شىء. وقد قال النبى، صلى الله عليه وسلم: «لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم». نحن بحاجة إلى ثقافة إسلامية أكثر عقلانية تتمحور حول الإنسان، ثقافة تتسق مع روح القرآن الكريم وفلسفته الإنسانية العالية.